دبي

الخبير محمد علي القاسم في شرطة دبي: “الهندسة الجنائية” جُزء محوريٌ من منظومة تحقيقات الأدلة الجنائية

أكد المقدم الخبير الدكتور المهندس محمد علي القاسم، رئيس قسم الهندسة الجنائية في الإدارة العامة للأدلة الجنائية وعلم الجريمة بشرطة دبي، أن الهندسة الجنائية تمثل أحد التخصصات العلمية الدقيقة التي توظف علوم الهندسة في خدمة التحقيقات الجنائية، من خلال تحليل الحوادث والأعطال والحرائق والانهيارات وفشل الأنظمة، وربط النتائج الفنية بالأدلة الجنائية بما يدعم مسار العدالة ويُسهم في كشف الحقيقة.

جاء ذلك خلال حلقة بودكاست شرطة دبي التي تُبث عبر منصة شرطة دبي على “يوتيوب” ومنصات البودكاست وأبرزها أبل بودكاست ومنصة سبوتيفاي، والتي يقدمها الإذاعي محمد إبراهيم الحمادي.

واستضافت الحلقة المقدم الخبير الدكتور المهندس محمد علي القاسم، رئيس قسم الهندسة الجنائية في الإدارة العامة للأدلة الجنائية وعلم الجريمة بشرطة دبي، مؤكداً في معرض حديثه أن شرطة دبي تُعد من الجهات السباقة في هذا المجال، من خلال تأسيس أول وحدة لفحوصات الهندسة الجنائية على مستوى الشرق الأوسط، ضمن منظومة الأدلة الجنائية وعلم الجريمة، مشيراً إلى أن هذا التخصص يقوم على تطبيق المعرفة الهندسية في القضايا ذات الصلة بالمرافعات الجنائية، عبر إعداد تقارير علمية مبنية على فحوصات معتمدة ومنهجيات عالمية، لتحديد مسببات الحوادث، وما إذا كانت عرضية أو مفتعلة أو ناتجة عن إهمال أو خلل فني.

وأكد المقدم الخبير الدكتور المهندس محمد علي القاسم أن الهندسة الجنائية أصبحت جزءاً محورياً من منظومة عمل الأدلة الجنائية، من خلال التكامل مع تخصصات الطب الشرعي والكيمياء الجنائية والأحياء الجنائية والأدلة الإلكترونية، مشيراً إلى أن هذا التكامل يعكس توجه شرطة دبي نحو تبني العلوم المتقدمة والتخصصات النوعية في كشف الجرائم وتحليل الحوادث وتعزيز الوقاية المجتمعية.

وأضاف “إن ربط علوم الهندسة بالعمل الجنائي يمثل إضافة نوعية لمنظومة العدالة، لأنه يمكّن الخبراء من قراءة التفاصيل الفنية للحادث وتحويلها إلى أدلة علمية واضحة. وفي شرطة دبي، لا يقتصر دورنا على تحديد سبب الحادث أو المسؤول عنه، بل يمتد إلى رصد المخاطر والظواهر قبل تحولها إلى تهديد متكرر، والعمل مع الشركاء للحد منها، بما يعزز سلامة المجتمع ويحمي الأرواح والممتلكات.”

إعادة بناء وجه جثة مُتحللة
وقدم المقدم الخبير القاسم، مثلاً في أحد أوجه الاستخدام الجوهرية لهذا العلم المُتخصص والمُتكامل لمنظومة التحقيقات الجنائية، حين تم الاستناد إليه في الكشف عن هوية جُثة متحللة عُثر عليها في منطقة صحراوية، بعدما تعذر التعرف إلى ملامح صاحبها بالوسائل التقليدية. وبالتكامل بين تخصصات المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد، وعلم الجينوم، وفحوص الحمض النووي، وتحليل الصور والفيديوهات والأدلة الإلكترونية، أعاد الخبراء بناء الشكل التقريبي لوجه المتوفى انطلاقاً من الجمجمة، وحددوا جنسه وفئته العمرية وجنسيته المحتملة، قبل تعميم الصورة على إدارات المباحث المختصة. وأسهمت هذه النتائج في تضييق نطاق البحث، والتعرف إلى هوية المتوفى، والوصول إلى الجاني وضبطه.

23 بروتوكول فحص مُعتمد
وبيّن أن مجال عمل الهندسة الجنائية في شرطة دبي يعتمد على 23 بروتوكول فحص معتمداً ضمن نظام الجودة، وتشمل فحوصات المنشآت ووسائل النقل والأنظمة الكهربائية والميكانيكية والمواد، إضافة إلى التحقيق في حوادث الحرائق، والصعق الكهربائي، وانهيار المنشآت، وفشل الأنظمة، وحوادث السقوط، وحوادث المركبات، وغيرها من الوقائع التي تتطلب تحليلاً هندسياً دقيقاً.

وأشار إلى أن خبراء الهندسة الجنائية يعملون وفق مسار مهني وتدريبي متخصص، يبدأ من تأهيل الكوادر الهندسية عبر دورات داخلية وخارجية واعتمادات مهنية، وصولاً إلى مرحلة الخبرة المعتمدة، بما يعزز قدرة المختبرات الجنائية على تقديم نتائج علمية موثوقة، لافتاً إلى أن مختبرات شرطة دبي معتمدة وفق معايير دولية، الأمر الذي يعزز حجية التقارير الفنية أمام الجهات القضائية.

محاولة الإخفاء بالحرق
وأكد القاسم أن حرائق العمد في دولة الإمارات تُعد محدودة جداًّ مقارنة بالحوادث غير العمدية، مشيراً إلى أن فحص الحرائق يتطلب التمييز بين حرائق المنشآت وحرائق وسائل النقل، إذ تختلف بروتوكولات الفحص بحسب طبيعة الموقع ونوع المواد والأنظمة المتأثرة. وأضاف أن الخبراء يعتمدون في ذلك على رفع الآثار المادية، وتحليل المواد الكيميائية والفيزيائية، وفحوصات الأدلة الدقيقة والإلكترونية، لتحديد نقطة بداية الحريق وتسلسل انتشاره وسببه الحقيقي.

ونوه إلى إحدى قضايا القتل، التي ساهمت فحوص الهندسة الجنائية في كشف وقوع الجريمة المُتعمدة فيها، وذلك بعدما حاولت امرأة وعشيقها إخفاء معالمها، بعد قتل زوجها وحرق جثته ومركبته بالقرب من إحدى المناطق الصناعية، في محاولة لإظهار الواقعة على أنها حادث عرضي. وبمعاينة الموقع، عثر الخبراء أسفل المركبة على بقع لمواد بترولية، جرى رفع آثارها ونقلها إلى المختبر لإخضاعها لفحوص الحمض النووي والمواد الكيميائية والآثار الدقيقة، حيث أثبتت النتائج تطابقها مع المواد التي عُثر عليها على الجثة، الأمر الذي أسهم في الربط علمياً بين موقعي الجريمة، وإثبات تعمد إشعال الحريق لإخفاء الأدلة، وصولاً إلى كشف الجريمة وإدانة المتورطين فيها أمام القضاء.

إعادة بناء السيناريوهات
ولفت إلى أن التقنيات الحديثة أسهمت في تطوير عمل الهندسة الجنائية، ومنها منظومة التوأمة الرقمية والمسح الضوئي ثلاثي الأبعاد، التي تُستخدم في توثيق مسارح الحوادث وإعادة بناء السيناريوهات، سواء في حوادث الانفجارات أو التصادمات أو السقوط من المرتفعات، إضافة إلى استخدامها في بعض القضايا لإعادة بناء ملامح الوجه بالتعاون مع تخصصات الجينوم والحمض النووي والأدلة الإلكترونية.

كشف جريمة بقياس الأوزان
وأشار إلى تمكن خبراء الهندسة الجنائية من كشف جريمة قتل حاول مرتكبها إخفاءها في صورة انتحار، بعدما عُثر على جثة شخص من جنسية آسيوية معلقة في قضيب ستارة الاستحمام داخل إحدى الفلل. وأعاد الخبراء بناء سيناريو الواقعة، وأجروا اختبارات هندسية على القضيب والحزام المستخدمين، من خلال تعريضهما لأوزان معلومة لقياس قدرتهما على التحمل، فأثبتت النتائج أن القضيب ينكسر عند وزن يقارب 90 كيلوغراماً، فيما لا يتحمل الحزام وزناً يتجاوز نحو 70 كيلوغراماً، وهو ما تعارض مع الهيئة التي وُجدت عليها الجثة. وقادت هذه الأدلة العلمية إلى استبعاد فرضية الانتحار، وإثبات افتعال المشهد للتستر على الجريمة، وصولاً إلى تحديد هوية الجاني وضبطه.

وأوضح أن دور الهندسة الجنائية لا يقتصر على كشف ملابسات الحوادث بعد وقوعها، بل يمتد إلى رصد الظواهر والوقاية منها، مشيراً إلى مساهمة القسم في قضايا مرتبطة بسلامة المركبات، ومنها رصد خلل فني في أنظمة الوسائد الهوائية بعد تسببه في حوادث وفاة، وما تبع ذلك من تنسيق مع الجهات المختصة لاستدعاء المركبات المتأثرة ومعالجة الخلل، إلى جانب نشر ورقة علمية محكمة حول الموضوع استفادت منها جهات في دول أخرى.

كما تطرق إلى دور القسم في قضايا السلامة العامة وجودة المنتجات، ومنها حوادث ناجمة عن استخدام أجهزة أو منتجات غير مطابقة للمواصفات، حيث تسهم التقارير الفنية في تحديد أوجه الخلل والمسؤولية، ودعم الإجراءات الوقائية بالتعاون مع الجهات المعنية، بما يمنع تكرار الحوادث ويحمي الأرواح.

وأكد دعم القيادة العامة لشرطة دبي للخبراء، وحرصها على بناء منظومة متقدمة في مختلف التخصصات، وإطلاق مبادرات ومشاريع تعزز تمكينهم من أداء مهامهم وواجباتهم بكفاءة واقتدار، إلى جانب تأسيسها مجلس علماء شرطة دبي، الذي يعمل منذ انطلاقه على دعم الخبراء في مختلف العلوم التخصصية بالتعاون مع الشركاء في شرطة دبي وخارجها، منوهاً بأن الاستثمار في الكفاءات الوطنية والعلوم الحديثة يمثل أحد أهم ركائز التميز في العمل الجنائي والوقائي.

زر الذهاب إلى الأعلى