
كلما اشتدت أزمات المناخ، واتسعت الأسئلة حول مستقبل الأرض، اتجهت أنظار الباحثين إلى مكان لم يكن يتوقعه كثيرون، ذاكرة الشعوب، فبعد عقود طويلة من الاعتماد على الحلول التقنية وحدها، بدأ العالم يكتشف أن المجتمعات التقليدية لم تترك لنا عادات وممارسات اجتماعية فحسب، بل تركت أيضاً منظومات معرفية متكاملة لفهم علاقة الإنسان والطبيعة، ولهذا أصبح التراث البيئي أحد المصادر العلمية التي تسترشد بها مؤسسات التخطيط البيئي وصناعة سياسات المناخ في عدد متزايد من دول العالم.
وتقدم فلسفة شعب السايليكس أوكاناغان في كندا مثالاً لافتاً على هذا التحول، فهذه الجماعة الأصلية تنظر إلى الأرض باعتبارها كائناً حياً، يمتلك قدرة ذاتية على التجدد، وترى أن ازدهار الإنسان يرتبط بقدرة البيئة على المحافظة على توازنها الطبيعي.
ومن هذا التصور، نشأت منظومة أخلاقية كاملة، تجعل الإنسان مسؤولاً عن حماية دورة الحياة، وتربط التنمية باحترام الحدود البيئية للنظم الطبيعية، واليوم، أصبحت هذه الرؤية موضوعاً للدراسة في الأوساط الأكاديمية والبيئية، لأنها تقدم إطاراً فلسفياً مختلفاً لإدارة الموارد في زمن تتصاعد فيه تحديات المناخ.
ولا تبدو هذه الفلسفة بعيدة عن تجربة الإمارات، فمن يتأمل تاريخ المجتمع الإماراتي، يكتشف أن الإنسان عاش قروناً طويلة، وهو يدرك قيمة التوازن مع البيئة الصحراوية والبحرية، وأن البقاء كان يعتمد على إدارة الموارد بحكمة دائماً، والتركيز على عدم الاستنزاف.
وقد تجسد هذا الوعي في نظام الأفلاج، وفي إدارة الواحات، وفي الأعراف المنظمة لاستخدام المياه، وفي احترام مواسم الصيد والرعي، وهي جميعها خبرات تراكمت عبر أجيال حتى أصبحت جزءاً من الثقافة اليومية للمجتمع.
حظيت المعرفة التقليدية الإماراتية العريقة، بمكانة واضحة في النقاشات المناخية التي استضافتها دولة الإمارات خلال مؤتمر (COP28)، فقد أسهمت الدولة في ترسيخ حضور التراث الثقافي والمعرفة التقليدية.
ضمن النقاش الدولي حول التكيف مع التغير المناخي، انطلاقاً من قناعة علمية ترى أن مواجهة التحديات البيئية تتطلب الجمع بين الابتكار الحديث والخبرة الإنسانية المتراكمة، وأن المعرفة المحلية تمثل مصدراً عملياً للحلول.
وليست مجرد ذاكرة تاريخية. وقد اطلعت على دراسة بعنوان «متجذرون في الصمود»، أعدتها وزارة الثقافة، بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني، لتقدم قراءة جديدة للعلاقة بين التراث الثقافي والعمل المناخي، وتكشف الدراسة أن كثيراً من الممارسات التقليدية تحمل في جوهرها مبادئ الاستدامة وكفاءة استخدام الموارد.
الأمر الذي يمنحها قيمة علمية تتجاوز بُعدها الثقافي، ويفتح المجال أمام توظيفها في التخطيط البيئي والسياسات العامة، ونأمل أن يتم تنفيذ جميع نتائجها، بتعاون مثمر بين الجهات المعنية.
بالطبع، تقدم العمارة الإماراتية التقليدية نموذجاً واضحاً لهذا التكامل بين المعرفة والبيئة، فالبراجيل الشهيرة نتاج فهم دقيق لحركة الهواء، وخصائص المناخ المحلي، كما أن استخدام الحجر المرجاني والطين وسعف النخيل استجابة واعية لخصائص البيئة المحيطة، وقدرتها الطبيعية على العزل الحراري.
وما يلفت الانتباه أن كثيراً من مبادئ هذه العمارة عادت لتجد مكانها في مشروعات البناء المستدام، والمدن منخفضة الانبعاثات، بعد أن أثبتت الدراسات كفاءتها البيئية العالية.
في البيئة الساحلية الإماراتية، تشكل أشجار القرم عنصراً مهماً، أدرك المجتمع منذ وقت مبكر دور هذه الغابات في حماية الشواطئ، واحتضان الحياة البحرية، بينما تؤكد الدراسات الحديثة اليوم قدرتها الكبيرة على تخزين الكربون، والمساهمة في التخفيف من آثار التغير المناخي.
ولهذا تمضي الإمارات في برامج واسعة لاستزراع القرم، وإعادة تأهيل النظم البيئية الساحلية، في نموذج يجمع بين الخبرة المتوارثة، والبحث العلمي والتقنيات الحديثة.
ويكشف هذا كله عن تحول مهم في النظرة العالمية إلى التراث، فالقيمة الحقيقية للمعرفة التقليدية، تكمن في قدرتها على توسيع خيارات المستقبل، والتحدي الذي يواجه العالم اليوم لا يقتصر على تطوير تقنيات أكثر تقدماً، بل يجب أن يشمل أيضاً، حسب وجهة نظري، وضع وتطوير فلسفة جديدة للتنمية، تنظر إلى الإنسان والطبيعة باعتبارهما شريكين في صناعة المستقبل، وتعيد الاعتبار إلى الخبرات التي نجحت في تحقيق التوازن مع البيئة عبر قرون.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن تقدمه التجربة الإماراتية، إلى جانب تجارب الشعوب الأخرى، فالمستقبل يبدأ من فهم أكثر عمقاً للذاكرة الإنسانية، والقدرة على تحويل حكمة الأسلاف إلى معرفة معاصرة، تجعل الاستدامة ممارسة يومية، وتمنح الأجيال القادمة فرصة العيش في بيئة أكثر توازناً وقدرة على التجدد.
مقال للكاتب: د. موزة غباش في صحيفة البيان.



