مقالات

استراتيجية الحكم الرشيد في دبي.. الاقتصاد المستقبلي والمستدام لمرحلة ما بعد الهيدروكربون

د. ذياب بن غانم المزروعي

استراتيجية الحكم الرشيد في دبي.. الاقتصاد المستقبلي والمستدام لمرحلة ما بعد الهيدروكربون

تتشكل تجربة دبي الاقتصادية حول فلسفة حكم راسخة أعلنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في وثيقة المبادئ الثمانية للحكم والحكومة، التي لخص فيها الأسس التي قامت عليها الإمارة ومضى عليها الحكم سابقاً ويحكم بها اليوم، وأوصى جميع من يتولى مسؤولية فيها بالالتزام بها مهما تبدلت الأحوال أو تغيرت الوجوه.

تقوم هذه المبادئ على أن الاتحاد هو الأساس، وأن لا أحد فوق القانون، وأن دبي عاصمة للاقتصاد، وأن النمو له محركات ثلاثة، وأن المجتمع له شخصية متفردة، وأن لا اعتماد على مصدر واحد للحياة، وأنها أرض للمواهب، وأن التفكير يكون بالأجيال.

ويبرز المبدأ الثالث «نحن عاصمة الاقتصاد» كمحور جوهري يحدد غاية الحكومة في تحسين حياة الناس عبر تحسين الاقتصاد، ويؤكد أن دبي لا تدخل في السياسة ولا تستثمر فيها ولا تعول عليها لضمان تفوقها، بل تبقى صديقة لكل من يحمل لها ولدولة الإمارات الخير، وصديقة للمال والأعمال، ومحطة عالمية لخلق الفرص الاقتصادية.

هذا المبدأ ليس شعاراً بل إطار تشغيلي يفسر كل تحولات الإمارة من الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى بناء منظومة سيادية تولد قيمتها بنفسها وتستدام عبر الأجيال.

وفق هذا المبدأ، تحولت دبي إلى نموذج استراتيجي مكثف لمسار التحول الاقتصادي الموجه بالابتكار والتخطيط الاستباقي، حيث بنت إمبراطورية اقتصادية مستقلة تقريباً عن النفط بعد أن تراجعت مساهمته أو مساهمة قطاع التعدين والمحاجر في الناتج المحلي الإجمالي من مستويات قاربت 50 – 54 % في مطلع الثمانينيات إلى أقل من 1 % أو نحو 2 % في السنوات الأخيرة، فيما بلغ الناتج المحلي الإجمالي وفق التقديرات الأولية نحو 972 مليار درهم في 2025.

تجسدت هذه السيادة في أجندة دبي الاقتصادية D33 التي تستهدف مضاعفة حجم الاقتصاد بحلول 2033 وتحقيق إجمالي مستهدفات تراكمية يصل إلى 32 تريليون درهم، تشمل استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 650 مليار درهم وتجارة خارجية بـ25.6 تريليون درهم وإضافة 400 مدينة إلى شبكة الشركاء التجاريين.

تقوم الهندسة المؤسسية على تقسيم وظيفي محكم يحمي أذرع توليد القيمة من الروتين البيروقراطي، فتترك المهام التشغيلية اليومية للخدمات العامة والبنية التحتية، بينما تدار الكيانات السيادية والاستثمارية مثل مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية ودبي القابضة وموانئ دبي العالمية وفق آليات القطاع الخاص وسرعة القرار التجاري، في تجسيد عملي للمحركات الثلاثة للنمو: حكومة ذات مصداقية ومرونة وتميز، وقطاع خاص نشط وعادل ومفتوح للجميع، وقطاع شبه حكومي ينافس عالمياً ويحرك الاقتصاد محلياً ويوفر دخلاً ووظائف وأصولاً للأجيال القادمة.

تتجلى عاصمة الاقتصاد في الشبكة اللوجستية العالمية التي يقودها ميناء جبل علي والمنطقة الحرة المجاورة له، بينما تمتد موانئ دبي العالمية عبر عشرات المحطات في نحو 80 دولة وتتعامل مع حوالي 9 إلى 10 % من حركة الحاويات العالمية، حيث بلغ حجم المناقلة 93.4 مليون حاوية نمطية في 2025.

تندرج تحت هذه الشركة وحدات وشركات متعددة تشمل Economic Zones World التي تدير المناطق الحرة ومنها جافزا، وDrydocks World، وأذرع لوجستية بحرية وبرية موحدة تحت علامات واحدة، ومحطات تشغيلية في مواقع استراتيجية حول العالم، وكلها مملوكة في النهاية لحكومة دبي عبر هياكل سيادية.

وفي خطوة تعزز المرونة أمام التقلبات الجيوسياسية أبرمت موانئ دبي العالمية اتفاقاً مبدئياً لتطوير محطتي الرغيلات ودبا على الساحل الشرقي في الفجيرة بموجب امتياز طويل الأمد يربطها بشبكة داخلية مع جبل علي ويوفر مساراً بديلاً يتجاوز مضيق هرمز، مع توسعات مستمرة في جبل علي، شملت رفع طاقة تخزين السيارات إلى 75 ألف وحدة مكافئة وتعزيز قدرات البضائع السائبة والكسور.

يتطلب هذا التمدد التجاري منظومة تشريعية تضمن أعلى مستويات اليقين والثقة للمستثمرين، فجاء تأسيس مركز دبي المالي العالمي عام 2004 منطقة قضائية مستقلة تعمل وفق أحكام القانون العام الإنجليزي وبمحاكم وهيئات تنظيمية خاصة، تتيح ضريبة صفرية مقفولة لمدة 50 عاماً قابلة للتجديد وملكية أجنبية كاملة بنسبة 100 % وحرية مطلقة لترحيل رؤوس الأموال والأرباح.

بلغ عدد الشركات النشطة 10,018 شركة بنهاية النصف الأول من 2026، منها 1,134 شركة منظمة و592 شركة لإدارة الأصول والثروات، ما يجعله أكبر منظومة مالية منظمة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا.

تدير مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية أصولاً بلغت 1.68 تريليون درهم في 2025 مع إيرادات 359 مليار درهم، وتشمل محفظتها طيران الإمارات وdnata وflydubai وبنك الإمارات دبي الوطني وشركة بترول الإمارات الوطنية وإعمار، بينما تدير دبي القابضة أصولاً تتجاوز 500 مليار درهم عبر نخيل وميراس ودبي للعقارات ومجموعة جميرا وغيرها، فتحول الطيران والسياحة والضيافة والعقارات إلى محركات إضافية تكمل اللوجستيات والخدمات المالية وتخلق بيئة متكاملة تجذب المواهب ورؤوس الأموال.

وعلى صعيد إنتاجية العوامل الكلية تتجاوز المنظومة المحركات التقليدية القائمة على الكثافة العمالية ورأس المال الثابت نحو رفع كفاءة التشغيل المعتمدة على التكنولوجيا المتقدمة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتنظيم المرن، مدعومة بمختبرات تنظيمية تسمح للشركات العالمية باختبار تقنيات الذكاء الاصطناعي وWeb3 في بيئة واقعية حية، ما يعزز مواكبة الأطر التشريعية لوتيرة الابتكار.

يكتمل هذا البناء بالإطار الاتحادي الشامل والبيئة الاستراتيجية المستقرة التي يرعاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حيث توفر التوجيهات الاتحادية مظلة آمنة من الاستقرار الجيوسياسي والدبلوماسية الاقتصادية المتوازنة والبنية التحتية السيادية التي تمكن نموذج دبي من التمدد عالمياً بثقة وثبات.

بهذا التكامل المتناسق بين رؤية القيادة الحكيمة والمبادئ الثمانية للحكم، وفي مقدمتها المبدأ الثالث الذي يجعل الاقتصاد غاية الحكم ووسيلته، أعادت دبي تعريف دور الدولة من مالك للموارد الطبيعية إلى صانع ومشغل لمنابر الإنتاج والتنظيم الاقتصادي العالمي القادر على توليد قيمته بنفسه واستدامتها عبر العقود والأجيال.

الكاتب. د. ذياب بن غانم المزروعي من صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى