مقالات

الأب المعلم

أ.د. محمّد عبد الرّحيم سلطان العلماء

الأب المعلم

 

 

في إشارة عميقة الدلالة على المنزلة الكبرى التي يحتلها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في قلب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، كانت «رسالة إلى زايد» هي مسك الختام لكتاب «الرسائل» الذي أودعه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد خلاصة تجربته في الحياة والإدارة والحكم خلال 60 عاماً ونظراته العميقة في معنى القِيَم وضوابط الوعي ومفهوم الشخصية، فكأنه بهذه الرسالة الختامية يريد أن يقول:
إن كل ما أودعتُهُ في هذا السِّفْر الجليل من التجارب والأفكار والنظرات هو من ثمرات الاتصال المباشر بحكيم الجزيرة وشيخ زعماء العرب، الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، الذي أجمع العالم على حكمته وحنكته وسماحته وحزمه، لتكون هذه الرسالة هي الختام الأروع لهذا الكتاب الثمين، ولا أدلّ على ذلك من هذه الافتتاحية البديعة التي افتتح بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الرسالة قائلاً:

«رسالة إلى معلمي وقائدي وملهمي عبر أربعة عقود من حياتي، كبرت بلادك فأصبحت ملتقى ملايين البشر، وكبرتْ علماً ومعرفة حتى وصلتْ إلى أغوار الفضاء.

وكبرتْ اقتصاداً وتجارة حتى نافست الكبار في القوة والثراء، وكبرتْ كرماً ومحبّة حتى أصبحت الأولى في العطاء، وكبرتْ في قيمها الأخلاقيّة من التسامح والمحبّة والتعايش حتى أصبحتْ قصيدة يكتبها الشعراء».

كلُّ ذلك قد تمّ تحت قيادة الأبناء والأحفاد الذين رباهم الشيخ زايد على القِيَم الأصيلة والثبات على المبادئ القويمة، وهو مما يدخل البهجة والسعادة في قلب الوالد المؤسّس والقائد الحكيم، طيّب الله ثراه، وترسيخاً للبصمة الخالدة التي تركها الشيخ زايد، تندفع الرسالة نحو لحظة عاطفية يستعرض فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مواطن التشابه بين زايد والوطن فيقول:
«لقد كبُرت بلادك يا أبي، لكنّها بقيت تشبهك: تشبهك في شهامتك وهيبتك وإنسانيتك، تشبهك في قلبك وعطفك ومحبتك للبشر، وإكرامك لخلق الله، تشبهك في حكمتك ونقاء سريرتك وتقريبك بين الناس، تشبهك في عزيمتك وثباتك وصلابتك، تشبهك في طموحك وإصرارك وأفكارك، تشبهك يا أبي في تواضعك ورحمتك وعطائك وكرمك».

وتأكيداً على عمق التشابه بين روح القائد المؤسّس وبين الوطن يعود صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى عرض هذه الفكرة من خلال منظور آخر يعزز السابق ولا يختلفُ معه، حيث يؤكد أن الشيخ زايد كان الأوّل في كل شيء، فظلت هذه الأولية سارية في دماء أبنائه وقادة الوطن وشعبه كله، وهو ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بقوله:
«كنتَ الأوّل في كل شيء يا زايد، وما زلتَ: الأول في جمع القلوب، الأول في تأسيس الاتحاد، الأول في سنّ القوانين ووضع التشريعات لبلادنا، الأول في العمران والبنيان، الأول في نشر المدارس في ربوع وطننا، أول من قدَّمَ دولة الإمارات للعالم، وأول من قدَّمَ تجربة وحدوية عربية ناجحة في العصر الحديث، الأول في كل شيء كنتَ وما زلتَ».

كثيرة جداً هي مظاهر الأولية في شخصية الشيخ زايد، طيب الله ثراه، لكن المهم هو الأثر الذي تتركه هذه الأولية في الأجيال التالية وهو ما عبّر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بقوله: «كنتَ الأول وسنبقى نحافظ على هذا المركز لوطنك وشعبك بإذن الله، ستبقى بلادك تسعى للمراكز الأولى عالميّاً كما أردتها يا أبي، ستبقى بلادك تُشْبِهُك».
وتزدادُ الرسالة التصاقاً بصاحب الذكرى الطيبة والأثر العميق في الوطن والإنسان فتندفعُ إلى الوفاء بالعهد وأنّ الأجيال لن تنسى هذا القائد المؤسّس والرائد الحكيم، وسيبقى كلّ ركن في الإمارات يذكر الشيخ زايد.
طيب الله ثراه، وفاءً له واستلهاماً لنهجه، ففي كلّ حدثٍ يسمعُ الإماراتيون صوت الحكمة من خلال طيف زايد، كما يسمعون معه صوت القوة والثبات والدفاع المستميت عن الوطن ومسيرته وعدم الالتفات لكلّ من يحاولُ إعاقة المسيرة عن طريقها الصحيح.

لكنّ الدرس المهمّ هو ماذا تعلّمنا من زايد؟ وهو ما لخّصه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بقوله: «تعلّمتُ من زايد كيف أبحث عن مساحات الاتفاق لا الاختلاف، وكيف نبحث عن المستقبل لا الماضي، وكيف نبحث عمّا يجمعنا ويقوّينا ويرفعنا، وكيف نعطي من أنفسنا لإخواننا.
ومن زماننا لزمن أحفادنا، تعلّمتُ من زايد كيف يمكن أن يكون الوطن رحيماً بأبنائه، كريماً مع ضيوفه، عادلاً حتّى مع أعدائه، تعلمتُ من زايد كيف يبقى الإنسان حيّاً في العقول والقلوب، وكيف يبقى الإنسانُ عالياً في الحياة وبعد الممات، تعلّمتُ من زايد أنّ العمر يفنى والوطن يبقى، وأنّ العمل من أجل النفس زائل، ومن أجل الشعب خالدٌ لا يزول».

 

 

مقال للكاتب: أ.د. محمّد عبد الرّحيم سلطان العلماء في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى