
في زمن يظن كثيرون أن الأفكار الكبيرة تولد بين الجدران الزجاجية وقاعات الاجتماعات، تكشف دراسة حديثة أن شرارتها قد تومض على مقعد في حديقة عامة، أو تحت شجرة، أو على ممر تختلط فيه ضحكات الأطفال بخطوات المتقاعدين والعدائين والمشاة.
في مجلة «هارفارد غازيت»، تعرض الباحثة ماريا روش من كلية هارفارد للأعمال – بالتعاون مع لويزا غالياردي من جامعة بوكوني الإيطالية – نتائج دراسة تقترح فكرة لافتة: الحديقة ليست متنفساً للراحة فحسب، بل ورشة مفتوحة للابتكار.
فالحديقة من الأماكن القليلة التي تذوب فيها الفوارق الاجتماعية. لا يسأل العشب زائره عن راتبه، ولا تستجوب الأشجار عمره أو معتقده. الجميع يجلسون على المقاعد نفسها، ويسيرون في الممرات نفسها، ويتنفسون الهواء نفسه. ومن هذا الاحتكاك الهادئ تولد ملاحظات ما كانت لتظهر خلف أبواب المكاتب.
قد يرى مخترع أباً يعجز عن طي عربة طفله، فيعيد التفكير في تصميمها. وقد تراقب مهندسة طفلة تكافح للوصول إلى لعبة، فتلمح فكرة منتج جديد، بل إن فكرة شركة «زيبكار» لتشارك السيارات بدأت من حديث عابر في إحدى الحدائق.
ولم تعتمد الدراسة على الانطباعات، بل حللت نحو 80 ألف براءة اختراع سُجلت في المدن الإنجليزية بين أعوام 1977 و2018، وقارنت بين مواقع مساكن المخترعين وقربها من المساحات الخضراء.
وكانت النتيجة واضحة: السكن قرب الحديقة لا يزيد عدد الاختراعات، لكنه يزيد جرأتها وأصالتها. فقد جاءت ابتكارات هؤلاء أبعد عن المألوف وأكثر تأثيراً، ونالت استشهادات علمية أعلى. كما اتجه كثير منها إلى تلبية حاجات الأطفال والأسر، من مقاعد سيارات أكثر أماناً، إلى ألعاب تفاعلية ومنتجات جديدة.
ويرى الباحثون أن الحديقة توسع مجال الرؤية، ففيها يشاهد الإنسان مشكلات الحياة وهي تمشي أمامه، لا كما تظهر في تقارير السوق أو على شاشات الحاسوب.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي. فالخوارزميات تعيد تركيب ما تعرفه، أما الإنسان فيلتقط من الحياة سؤالاً لم يطرح بعد، أو حاجة لم ينتبه إليها أحد.
لهذا تدعو الدراسة الشركات إلى الخروج، ولو قليلاً، من المكاتب إلى المساحات الخضراء. فربما كانت شرارة الابتكار تنتظر على مقعد في حديقة، حيث تهبط ورقة شجر، ويعلو ضحك طفل، ويفتح مشهد عابر باباً لفكرة تغير العالم.
الكاتب. د. كمال عبدالملك من صحيفة الامارات اليوم.



