
الوقت هو رأس المال الوحيد الذي يتساوى الناس في امتلاكه ويختلفون في استثماره.
وما من نعمة يكثر التفريط فيها مثل نعمة الوقت، لاسيما حين تتسع مساحته في الإجازات الصيفية.
بين من ينظر إليها بوصفها فترة للراحة والركود، ومن يدرك أنها فرصة لإعادة ترتيب الأولويات للصعود، هنا يتحدد مقدار ما يربحه الإنسان من أيامه. والإجازة في حقيقتها ليست انقطاعاً عن التعلم والعمل، بل فرصة عنوانها التجربة في السفر، واكتساب الخبرة والمهارة، والاستزادة من المعرفة.
لذلك فإن المجتمعات التي تؤمن بأن الإنسان هو أعظم استثمار، لا تترك أبناءها نهباً للفراغ أو أسرى للشاشات، بل تفتح أمامهم أبواب المعرفة، وتشجعهم على القراءة، وحفظ القرآن الكريم بالمسابقات الصيفية، واكتساب اللغات والمهارات، والانخراط في البرامج الثقافية والرياضية والتطوعية. فهذه الأنشطة لا تملأ الوقت، بل تصنع وعياً، وتهذب سلوكاً، وتمنح الشاب أدوات النجاح في مستقبله.
ولعل أكثر ما يبعث على القلق أن يتحول الصيف إلى موسم استنزاف للعقول، تُقضى فيه الساعات الطويلة بين الألعاب الإلكترونية ومتابعة المحتوى غير الهادف، حتى يصبح الوقت هو الخاسر الأكبر. فالتقنية نعمة إذا أُحسن توظيفها، لكنها تتحول إلى عبء حين تستولي على العمر، فتُضعف الصلة بالأسرة، وتسرق من الأبناء أجمل سنوات البناء والتكوين.
ويبقى دور الأسرة حاسماً في توجيه هذا المسار؛ فالحضور الحقيقي للوالدين لا يقاس بطول الوقت الذي يقضيانه مع الأبناء، وإنما بجودة هذا الحضور، وبالحوار، والمتابعة، وصناعة الذكريات المشتركة، وغرس القيم التي تبقى راسخة حين تتغير الظروف وتتبدل المراحل. فالأبناء لا يحتاجون إلى الرقابة بقدر حاجتهم إلى القدوة، ولا إلى كثرة التوجيه بقدر حاجتهم إلى من يفتح أمامهم آفاق الطموح.
وإدراكاً لأهمية استثمار الإجازة الصيفية، تحرص الإمارات – يحرسها الله – على إطلاق برامج ومبادرات نوعية تجعل من الصيف موسماً للتعلم والإبداع والعطاء. فتتنوع المخيمات الصيفية، والبرامج الثقافية والرياضية، والدورات العلمية، وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، كحلقات التحفيظ في المجالس العامة، والأنشطة التطوعية التي تنظمها المؤسسات الحكومية والمجتمعية لتوفر بيئة آمنة ومحفزة تستثمر طاقات الشباب، وتنمي مواهبهم، وتعزز قيم الانتماء والمسؤولية والهوية الوطنية.
باحث في العلوم الإنسانية
مقال للكاتب: ناصر سالم سيف الدرعي في صحيفة الإمارات اليوم.



