إن إرساء دعائم الفكر المعتدل في المجتمعات ضرورة حتمية، وركيزة جوهرية، لحفظ مسيرتها الحضارية، وصيانة وحدتها وأمنها واستقرارها، وتنمية قدرة أبنائها على التمييز بين ما يعزز اللحمة الوطنية وما يورث الاضطراب والفوضى، وما يحمي المكتسبات ويصونها وما يفتح أمام العقول أبواب الاضطراب والخلل، فالمجتمعات التي ينشأ أبناؤها على الاعتدال ويتخذونه نهجاً وثقافة تشق طريقها بكل ثقة نحو الريادة، وتواجه المتغيرات بثبات واقتدار.
ومن أهم معايير هذا الفكر المعتدل أن يستند إلى الفهم السليم لتعاليم الدين الحنيف، المرتكز على قيم السماحة واليسر والرحمة والأخلاق الحميدة والمقاصد السامية، والملتزم بالثوابت الأصيلة والأصول المحكمة، ليكون المنهج الشرعي منبعاً للأمان الفكري والاطمئنان النفسي والتلاحم المجتمعي، وينأى بالمرء عن مزالق الغلو والتطرف يميناً أو يساراً.
ويحميه من منزلقات الأطروحات الشاذة والآراء الدخيلة التي تستهدف العقول والأوطان، ومما يستوجبه ذلك استقاء المعلومات الدينية من مصادرها الموثوقة ومؤسساتها المعتمدة، ورد النوازل إلى المعنيين بها، وقد خصصت دولة الإمارات مؤسسات رسمية تعنى بذلك، خدمة للمجتمع، وسداً لأبواب الفوضى والاضطراب.
ومن معايير الفكر المعتدل ومظاهره أنه يقوم على ترسيخ قيم المواطنة الصالحة، ويجعل من السمع والطاعة، والولاء للقيادة الحكيمة، والالتفاف الصادق حولها، والانتماء للوطن، والمحافظة على أمنه واستقراره، عقيدة راسخة ومبدأ ثابتاً في نفوس أبناء الوطن.
ويجعل ذلك ميزاناً لتعزيز هذه القيم في المجتمع، ورفض أي أطروحات شاذة تهدم هذا الأساس المتين، وتخلخل العلاقة بين القيادة والمجتمع، تحت أي شعار كان، فضلاً عن التنظيمات التي تهدم قيم الولاء والانتماء للأوطان.
ومما يوجبه هذا المعيار احترام المؤسسات الوطنية، والالتزام بالقوانين والأنظمة، وتقديم المصلحة العامة العليا للوطن على كل الأهواء الشخصية والانفعالات العاطفية والمصالح الضيقة، ليكون كل فرد حارساً أميناً لمكتسبات بلاده، ومشاركاً فاعلاً في مسيرة تنميته وازدهاره.
ومما يتطلبه ذلك بناء مناعة ذاتية صلبة ضد الفوضى الفكرية، وخاصة تجاه ما تعج به مواقع التواصل الاجتماعي، وما يحمله الواقع من تيارات وتنظيمات فكرية متباينة المشارب والاتجاهات، فضلاً عن الحملات التي تستهدف التشكيك في المنجزات والإضرار بالأوطان وبث الفرقة بين أبنائها، ويستوجب هذا التحصين الفاعل توظيف مهارات التثبت والتبين كأدوات وقائية ضرورية داخل الفضاء الرقمي المفتوح، لفرز الأخبار.
وتمحيص المقاطع، وتجاهل الحسابات المجهولة التي تبث سموم التحريض والتضليل، ومن أهم الخطوات في هذا المسار حفظ اللسان، وضبط الكلمة، والامتناع عن نشر الشائعات والأراجيف.
ومن مظاهر الفكر المعتدل تحقيق التوازن الرشيد في البعد الثقافي، حيث يجمع بين الأصالة والمعاصرة في نسيج متناغم، فيبقى الإنسان متمسكاً بهويته الوطنية.
معتزاً بجذوره التاريخية، ومحافظاً على السنع الإماراتي الأصيل وقيمه النبيلة، ومنفتحاً في الوقت نفسه على علوم العصر ومعارفه المتجددة، ويمنح هذا التوازن قدرة متميزة على استيعاب المنجزات الحضارية.
والتفاعل الإيجابي مع الثقافات المتنوعة، وتجنب التبعية الفكرية للأطروحات الوافدة التي تحاول طمس الهويات وتذويب الخصوصيات الثقافية، وتتأصل في النفوس قناعة راسخة بأن التقدم الحقيقي والتطور المستدام يتحققان بالاستناد إلى الجذور العميقة، والانطلاق منها نحو آفاق المستقبل بخطى واثقة وعقول مستنيرة.
وتتجلى هذه الرؤية والحكمة في النهج الإماراتي الراسخ، حيث عملت القيادة الحكيمة على مأسسة الاعتدال، وجعله ثقافة حياة متأصلة، وضبط شؤون الفتوى، وترسيخ القيم الوطنية، لبناء وعي وطني حصين، تظهر آثاره الإيجابية على مستوى الفرد والمجتمع والوطن.
حيث تتجلى هذه الثمار الطيبة في بناء أسرة هانئة مستقرة، ومجتمع آمن مطمئن، ووطن متلاحم متراحم تتكاتف فيه السواعد وتأتلف فيه القلوب على قيم الخير والعطاء، وتتوجه طاقات الإبداع والابتكار نحو ميادين الإنجاز والتميز، وتتحول التحديات إلى جسور صلبة تعبر بالوطن نحو الريادة والمراكز الأولى.
إن الفكر المعتدل صمام أمان للمجتمعات، وحصن راسخ لحماية العقول، وصيانة القيم، وتعزيز وحدة الصف، وحفظ الأوطان واستدامة أمنها واستقرارها، وهو مسؤولية وطنية مشتركة تتكامل فيها أدوار الأسرة والمؤسسات التعليمية والمنابر الدينية ووسائل الإعلام ومختلف الجهات المعنية ببناء الإنسان، حتى ينشأ الجيل على فهم صحيح، وولاء صادق، ووعي رصين، وكلمة مسؤولة، وسلوك حضاري يترجم القيم المشرقة في مواقفه وسلوكه، ويكون أفضل سفير لأسعد وطن وأهنئه.
مقال للكاتب: أحمد محمد الشحي في صحيفة البيان.