
اعتدنا في لجان التوظيف أن ننظر أولاً إلى المدة التي يمكث فيها القيادي أو الموظف في كل وظيفة، فإذا كان ممن يتنقل كثيراً، أي لا يبقى أكثر من سنتين إلى أربع سنوات في كل وظيفة، وبوتيرة ملحوظة، هنا تبرز علامات استفهام كثيرة لدى أعضاء اللجنة. فنغرقه بالأسئلة عن سبب مغادرة كل جهة، وكيف يصفها ويصف العاملين فيها. فمن غير المعقول أن تكون كل مؤسسة سيئة. وإن كانت كذلك فهذا هو حال كثير من الجهات، لكن القيادي الناجح عادة ما يتحلى بالصبر ويحاول إصلاح بيئة العمل أو التكيف معها قبل أن يقرر الرحيل.
جرى العرف أن نتوقع أن يتنقل الموظف الصغير في السن لأكثر من وظيفتين أو ثلاث في السنوات الخمس الأولى، لكن استمرار ذلك، طوال مسيرته الوظيفية، لا يعني بالضرورة أنها محاولات لقبول عرض وظيفي أفضل، بل قد يميل أكثر نحو احتمالية أن ذلك الفرد ليس لديه قدرة على التحمل، أو ربما يكتشف العاملون مستواه الحقيقي لاحقاً بعد أن أبهرهم بقدراته الكلامية في المقابلة.
فهناك من يجيد الحديث أكثر من الإنجاز، فتبدأ الإدارة بتضييق الخناق عليه وتقليص صلاحياته تدريجياً حتى يغادر بنفسه إن كان مسؤولاً. هذه بالمناسبة إحدى الطرق غير المعلنة التي تتخلص بها بعض المنظمات من شخص لم يعد مرغوباً فيه، وفي مقدمة من يمارسها البيئات العربية.
غير أن المشكلة في الأحكام البشرية أنها قد تكون صحيحة في أحيان كثيرة، لكنها ليست صحيحة دائماً. فبعض السير الذاتية تبدو عادية، بل محبطة، بينما تخفي وراءها مشروع نجاح استثنائياً لم يجد فرصة سانحة.
وما حدث في مسيرة مدرب المنتخب الإسباني لويس دي لا فوينتي، الذي قاد بلاده إلى رفع كأس العالم في نيويورك عام 2026، خير مثال على ذلك. فلو عُرضت سيرته الذاتية على كثير من لجان التوظيف قبل سنوات، لما توقعت أنها أمام مدرب سيعتلي عرش العالم. فلم يكن نجماً كلاعب، وخاض تجارب تدريبية مع أندية بعيدة عن الأضواء، لكن تجربته انتهت بالإقالة بعد أشهر قليلة، حتى وجد نفسه بلا عمل. وفي لحظة كاد يسدل الستار فيها على مسيرته، قرأ إعلاناً في صحيفة يبحث فيه الاتحاد الإسباني عن مدرب لمنتخب الناشئين، فتقدم للوظيفة، ولم يكن يدرك أنها ستكون نقطة التحول في حياته وحياة كثيرين من حوله.
وقبل أن يتولى قيادة المنتخب الأول، أشرف على تكوين جيل كامل من اللاعبين، فقاد منتخب تحت 19 عاماً إلى لقب بطولة أوروبا، ثم منتخب تحت 21 عاماً إلى اللقب الأوروبي قبل أن يصعد إلى المنتخب الأول، رغم تشكيك الإعلام والجماهير في اختياره.
لكن الميزة التي لم ينتبه إليها كثيرون هي أن هذا المدرب كان يعرف جيداً لاعبيه أكثر من أي شخص آخر، فقد أشرف على تنشئة معظمهم لسنوات عديدة، وتوج بعدها بدوري الأمم الأوروبية، ثم كأس العالم بعد أن هزم الأرجنتين رغم وجود أعجوبة الملاعب ميسي. وتحولت سيرته إلى واحدة من أكثر السير إلهاماً في عالم التدريب.
ولعل الدرس الأهم هو أن السيرة الذاتية ليست دائماً انعكاساً لما سيحدث بالمستقبل، فما أكثر السير الحافلة التي لم يحالفها الحظ أو التوفيق.
والدرس الآخر أن الإخفاقات المبكرة لا تعكس بالضرورة قدرات المرء الحقيقية، فما أكثر من حولوا تلك التجارب المريرة لوقود من الطاقة والحماسة لتطوير الذات وتحقيق إنجازات يشار إليها بالبنان. وكثيراً ما نردد، أن الخبرة العميقة تنبع من الإخفاقات بقدر ما تنبع من النجاحات. إذن الفشل قد يكون محطة من المحطات التي تأخذنا نحو نجاح أكبر.
مقال للكاتب: د. محمد النغيمش في صحيفة البيان.



