مقالات

المعلم جزء من الأسرة

عائشة محمد سعيد الملا

المعلم

 

 

عندما نتحدث عن عام الأسرة، لا يمكن أن ننسى دور المعلم، الذي يمضي معه الطفل جزءاً كبيراً من يومه، ويستقي منه الأدب قبل العلم، فللمعلم الفاضل دور مهم في تنشئة الطفل منذ سنواته الأولى حتى بلوغه، لذلك أقول إن المعلم جزء لا يتجزأ من منظومة الأسرة، وشريك للوالدين في التربية، وغرس القِيَم، واكتشاف شخصية الطفل وقدراته.

ولا أنسى في المرحلة الثانوية ناظرة المدرسة الدكتورة رجاء عيسى القرق، التي كانت تختارني لمهام عدة رغم شقاوتي المدرسية، وكانت تعتمد عليّ في بعض المسؤوليات، ومن أهمها الإذاعة الصباحية، وكان والدي، رحمه الله، يوصلني إليها بنفسه، لأن سيارة المنزل قد توصلني متأخرة مع تباعد المدارس، فكان يحرص على إيصالي خصيصاً، ثم يتوجه إلى مقر عمله في أبوظبي، كما كلفتني المعلمة، برفقة زميلاتي، بإعداد الجريدة المدرسية «العريش» التي كنت أشرف عليها.

ربما بدت تلك المهام في وقتها أنشطة مدرسية بسيطة، لكنني حين أستعيدها اليوم أدرك أن وراءها دوراً تربوياً أعمق من مجرد التعليم، فقد رأت ناظرتي خلف الشقاوة المدرسية قدرة يمكن توجيهها، ومنحتني مسؤولية بدلاً من أن تحصرني في سلوك عابر، وأعطتني ثقتها قبل أن أعي أنا قيمة هذه الثقة، فالإذاعة المدرسية تُعلم الوقوف أمام الآخرين، والتعبير، والثقة بالنفس، والجريدة تُعلم البحث والكتابة والعمل ضمن فريق وتحمّل المسؤولية، وهي مهارات بقي أثرها بعد أن نسينا كثيراً من تفاصيل الحصص والاختبارات.

وهنا تكمن قيمة المعلم الحقيقي، فهو لا يرى أمامه طالباً ودرجة وكتاباً مدرسياً فقط، وإنما شخصية تتشكّل، وقدرة تنتظر من يكتشفها، قد يلاحظ في الطفل موهبة لا يراها هو في نفسه، أو يمنحه مهمة صغيرة تغيّر نظرته إلى قدراته، أو يقول له كلمة تشجيع تبقى معه سنوات طويلة، وأحياناً يكون الطفل كثير الحركة أو المشاغبة، لكن المعلم الحكيم لا يكتفي بتقويم سلوكه، بل يقوم بإعادة توجيه طاقته.

وفي قصتي مع ناظرتنا الدكتورة رجاء أرى أيضاً صورة جميلة للتكامل بين البيت والمدرسة، مربية تمنح الثقة والمسؤولية، وأب، رحمه الله، يستيقظ ويوصل ابنته بنفسه قبل أن ينطلق إلى عمله، لم يكن كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر، وإنما كان الاثنان، كلٌّ من موقعه، يشاركان في بناء شخصية واحدة.

نحن نتحدث كثيراً عن دور الأب والأم والأجداد والأقارب والجيران والأصحاب في بناء الإنسان، علينا أن نترك مقعداً في هذه المنظومة لذلك المعلم الفاضل المربي الذي شارك الأسرة سنوات طويلة من عمر أبنائها، فكم من معلم اكتشف موهبة، وكم من معلمة صنعت ثقة، وكم من كلمة قيلت في فصل دراسي امتد أثرها إلى حياة كاملة.

 

عضو سابق في المجلس الوطني الاتحادي

مقال للكاتبة: عائشة محمد سعيد الملا في صحيفة الإمارات اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى