
تتجه المواجهات الأميركية- الإيرانية إلى منحى جديد إثر انتهاء الاجتماعات السنوية للجمعية العامة، واستمرار الاتصالات بين الجانبين الأميركي والإيراني عبر بعض الوسطاء. وبرغم ما يدور في مسارات متعددة إلا أن الواقع السياسي والعسكري يظل مرتبطاً ببعض الأحداث التي قد تسير نحو المواجهة من جديد، أو إلى العودة لمذكرة التفاهم مثلما دعا مؤخراً الرئيس الصيني.
ربما لا توجد مسارات جديدة بشأن تطورات الأزمة، والطرفان في حاجة لمراجعات حقيقية لطبيعة الموقف السياسي الراهن، حيث يسعى كل طرف لامتلاك أوراق ضاغطة في مواجهة الآخر وبما يؤكد على أن تصريحات كل طرف ربما تكشف عن أزمة هيكلية في بنية التفاوض ما قد يعرق الوصول إلى أي اتفاق في ظل انتظار نتائج الانتخابات الخاصة بالتجديد النصفي للكونجرس، ويسعى كل طرف إلى التأكيد على أنه المنتصر.لا تريد الإدارة الأميركية تقديم تنازلات حقيقية، فتصريحات ترامب تقول، إن الإدارة ماضية في مسارها السياسي والعسكري، وتكثيف بنود الحرب الاقتصادية على إيران وبدأت بالفعل بقطاع الطيران، وستمر منه إلى قطاعات أخرى ما يؤكد أن الإدارة الأميركية ماضية في مسار محدد لن تبارحه بهدف إيلام إيران ومحاصرة خياراتها وعدم إتاحة الفرصة لها للإفلات من منظومة العقوبات المفروضة، خاصة في ظل عدم الدخول في حالة الحرب الكاملة التي لا تريدها واشنطن في الوقت الراهن، وربما تؤثر نتائجها على مستقبل الحزب «الجمهوري» في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
وبالتالي قد تستثمر إيران ما يجري بالفعل، وبالتالي فإن الإدارة قد تعمل على أكثر من مسار، بمعنى الاستمرار في خط الاتصالات، وعدم إيقافها والثاني استمرار التصعيد المنضبط من دون دخول مواجهات عسكرية حتى الآن، مع العمل على إعادة بناء الشراكة مع الحلفاء.
والسؤال هل تستمر إيران مدعومة من الجانب الصيني أو حتى الروسي في مواجهة الولايات المتحدة من خلال استثمار المشهد الراهن للاتجاه إلى عالم متعدد الأقطاب، وهو ما تدرك أبعاده الولايات المتحدة، والتي تتخوف من انحيازات صينية روسية بالاتجاه إلى دائرة المواجهة.
وفي المقابل تتعامل إيران انطلاقاً من حسبة محددة حيث لا تتعامل إلا في عموميات متعلقة بفتح مضيق هرمز، وعدم تناول وضع الملفات الرئيسة الأخرى، ومنها ملف النووي والفضائي، حيث برنامج الصواريخ، ومدياتها الكبيرة إضافة إلى التعويضات ومنظومة العقوبات ما قد يحقق لإيران مكاسبها ولو تدريجياً، ويخفف العبء الراهن في واقع إيراني المعقد والمتأزم بالفعل، ولا تملك خيارات كبيرة في ظل الضغوطات الأميركية المتلاحقة.
الرئيس الأميركي سيعود مكرراً ما سبق وأن طرحه بأنه لا يعرف من يدير إيران في الوقت الراهن بدليل وجود تباينات كبرى داخل دوائر الحكم بل وداخل الحرس الثوري أيضاً، ما قد يعقد التوصل لحل، ولو جزئي، خاصة أن الانتقال إلى المخطط التالي من مضيق هرمز إلى باب المندب وربما أيضاً إلى المحيط الهادئ، وبالتالي ينفتح المشهد على خيارات عدة ومتعددة وقد تكون مكلفة.
يمكن التأكيد إذاً على حقيقة مهمة مرتبطة تتمثل في مقاربة عسكرية واقتصادية من قبل الجانب الأميركي، وقد تتأثر بالفعل بنتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس لكن لن تكون كافية بالفعل، ما لم تتحول إلى واقع حقيقي. ويبدو أن العودة إلى الخيار العسكري أمر
محتمل قبل وبعد هذه الانتخابات لتغيير بوصلة التفاوض الجاد، وعبر واقع جديد قد يتشكل ويمكن أن يكون مقدمة لمعالجة أخطاء التفاوض على الأقل من الجانب الأميركي مع محاصرة كل الخيارات المطروحة من قبل إيران في المديين القصير والمتوسط.
أكاديمي متخصص في الشؤون الإستراتيجية.
مقال للكاتب: د.طارق فهمي في صحيفة الاتحاد.



