
وفي الليلة الثالثة عشرة أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، ولم تظهر في الليلة الرابعة عشرة، بينما استمر شهريار في الكلام الذي لم يتوقف عنه لحظة منذ أن بدأت حكايات ألف ضربة وضربة التي لم نصل إلى نهايتها حتى الآن، في الوقت الذي يتعالى فيه صياح الديكة، التي نسمع منها جعجعة، لكننا لا نرى لها طحناً.
ليس من المبالغة أن نستعير عنوان أشهر كتاب في التراث الإنساني، فنطلق على الضربات الأمريكية التي رأيناها تنهمر على إيران كل ليلة على مدى أسبوعين تقريباً حكايات ألف ضربة وضربة..
ليس لأن عدد الليالي مرشح لأن يقترب من الألف، وإنما لأن المشهد أصبح أشبه بحكاية تتوالد من حكاية، وليلة تجر أخرى، حتى لم يعد أحد يعرف متى ستنتهي الحكاية، ولا كيف ستنتهي.
في حكايات ألف ليلة وليلة، كانت شهرزاد تؤجل موتها كل ليلة بقصة جديدة، وكان شهريار مستمتعاً بهذا التأجيل الذي انتهى بنجاتها.. أما هنا فإن الذي يؤجل النهاية هو بيان جديد، أو تصريح جديد، أو اجتماع جديد، أو هدنة جديدة، ثم انتظار ما ستسفر عنه الليلة التالية.. كأن الحرب أصبحت رواية مفتوحة الفصول، يكتبها العسكريون ويتولى تسويقها السياسيون، وينتظر نهايتها الضحايا الأبرياء.
الحروب التقليدية كانت تبدأ بإعلان وتنتهي بإعلان.. أما حروب هذا العصر فتبدأ من دون مقدمات واضحة، وتستمر من دون سقف زمني معروف، فكل ضربة تخلق مبرراً لضربة أخرى، وكل رد يستدعي رداً مضاداً، والعمليات العسكرية تتحول إلى سلسلة متصلة، لا يكاد يفصل بين حلقاتها سوى الوقت اللازم لإعادة تحميل الطائرات بالصواريخ والقنابل.
المفارقة أن العالم بدأ يتعامل مع هذه الضربات كما يتعامل مع نشرات الطقس، يستيقظ الناس كل صباح ليسألوا: ما الذي قصف الليلة الماضية؟ وما الهدف التالي؟ وهل سيكون التصعيد اليوم أكبر أم أصغر؟ حتى الأخبار العاجلة فقدت عنصر المفاجأة، لأن تكرارها اليومي جعلها جزءاً من المشهد المعتاد، مع أن ما يحدث في الحقيقة ليس اعتيادياً على الإطلاق.
في المقابل، تبدو إيران وكأنها تراهن على عامل الزمن.. فكل يوم إضافي يمنحها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، وإظهار قدرتها على الاستمرار، مثلما كانت تفعل شهرزاد..
أما الولايات المتحدة فهي تحاول أن توصل رسالة مختلفة، مفادها أن الضغط العسكري لن يتوقف قبل تحقيق أهدافها.. وهكذا يجد الطرفان نفسيهما في سباق لا يتعلق بالقوة العسكرية فقط، وإنما بقدرة كل طرف على تحمل كلفة الاستمرار.
الأسئلة التي تفرض نفسها بعد كل هذه الضربات هي: هل تغير شيء جوهري؟ هل اقتربت المنطقة من الاستقرار؟ هل اتسعت دائرة النار أم ضاقت؟ فالضربات لم تستطع حتى الآن أن تنتج حلولاً سياسية، صحيح أنها دمرت مواقع ومنشآت، لكنها لم تستطع إزالة أسباب الصراع، أو بناء الثقة بين الخصوم.
والأخطر من ذلك أن استمرار العمليات بهذا الإيقاع يرفع احتمالات الخطأ في الحسابات، ففي منطقة مزدحمة بالقواعد العسكرية والممرات البحرية والمصالح الدولية، قد يكون خطأ واحد كافياً لفتح جبهة جديدة لم تكن في الحسبان.
في مثل هذه الأجواء، يصبح الاقتصاد هو الضحية، فأسواق الطاقة تراقب وشركات الشحن تعيد حساباتها، وأسعار التأمين ترتفع، والاستثمارات تتراجع، بينما يدفع المواطن العادي في مختلف أنحاء العالم ثمن حالة عدم اليقين، حتى وإن كان بعيداً آلاف الكيلومترات عن مسرح العمليات.
استمرار هذه الليالي لا ينبغي أن يغرينا بعدّها، ولكن بالتفكير في اليوم الذي ستتوقف فيه، فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الصواريخ التي أُطلِقت، ولا بعدد الأهداف التي دُمِّرت، وإنما بقدرة الأطراف على الوصول إلى نهاية تمنع اندلاع ألف ليلة أخرى من الصراع..
وفي هذه النهاية، سيعود المتحاربون إلى طاولة المفاوضات، ولكن بعد أن يكونوا قد خسروا كثيراً من الأرواح والموارد والفرص.
في ألف ليلة وليلة تبدأ الحكاية بزيارة شاه زمان لأخيه الأكبر شهريار في مملكته، حيث يكشف له عن خيانة زوجته، فيقرر الانتقام من كل نساء المملكة، حتى تظهر شهرزاد في حياته، فتأخذ الحكاية مساراً جديداً.. واليوم نشاهد العديد من الزيارات بين الحلفاء والأفرقاء والوسطاء، فهل تتشابه الحكايات رغم اختلاف الأماكن والظروف والشخصيات؟
الكاتب. علي عبيد الهاملي من صحيفة البيان.



