
تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة إلى قوة طاغية تتجاوز حدود الترفيه والتواصل، لتصبح فضاءً واسعاً يختلط فيه المفيد بالضار، والمعرفة بالمعلومات المضللة، والوقت القصير بالساعات المهدرة. نحن الكبار في السن نخشى على أنفسنا من هذا العالم الرقمي المتضخم، رغم خبرتنا ونضجنا وقدرتنا على التمييز. بدأتُ شخصياً علاقتي بهذه المنصات من باب العمل، لمتابعة الأخبار والمستجدات أولاً بأول، ثم مع الوقت ومع تدفق المحتوى الذي لا ينقطع، تحولت إلى وسيلة ترفيه أيضاً. ومع تعدد المنصات وتنوعها وبلوغ مستخدميها المليارات، أصبحت أشبه بـ”وحش ناعم” يبتسم في الواجهة لكنه يخفي في جوفه تأثيرات نفسية وسلوكية عميقة. كثيراً ما وجدت نفسي غير قادر على احتمالها؛ فما إن أفتح إحداها حتى تجرفني خوارزمياتها إلى المزيد، مدفوعاً بالفضول البشري، ليمتد الوقت إلى ما لا نهاية. وليس الوقت المهدر هو الخسارة الوحيدة، فهناك أيضاً المؤثرات العقلية والنفسية، من المعلومات المغلوطة إلى الصور الخادشة واللغة الفاحشة، وكلها عناصر لا يمكن اعتبارها مفيدة أو آمنة.
وإذا كان الكبار قادرين – ولو بصعوبة – على حماية أنفسهم والتحكم فيما يشاهدونه، فإن الأمر يصبح شبه مستحيل بالنسبة للأطفال والفتية الذين هم في سن النمو والتعلم، والذين لا يملكون أدوات التمييز ولا القدرة على مقاومة الإغراءات الرقمية المصممة بعناية لجذبهم. من هنا تبرز أهمية القرار الذي أصدره مجلس الوزراء بمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الخامسة عشرة، ومنح المنصات مهلة اثني عشر شهراً لتطبيقه. هذا القرار يتجاوز كونه إجراءً تنظيمياً، فهو في جوهره سياسة حماية اجتماعية وأخلاقية، تعيد الاعتبار لدور الدولة والأسرة في زمن أصبحت فيه الخوارزميات أقوى من أي مربٍّ أو معلم.
العالم كله يواجه المشكلة نفسها، وقد سارعت دول عديدة إلى اتخاذ إجراءات مشابهة. ففي الولايات المتحدة، فرضت ولايات مثل يوتا وأركنساس قوانين تمنع فتح حسابات لمن هم دون السادسة عشرة دون موافقة الوالدين، وتُلزم الشركات بالتحقق من العمر. وفي الاتحاد الأوروبي، فرضت اللائحة العامة لحماية البيانات قيوداً صارمة على جمع بيانات الأطفال، ما دفع المنصات إلى تقييد وصولهم. أما بريطانيا، فقد أصدرت “قانون الأمان على الإنترنت” الذي يلزم المنصات بحماية القاصرين من المحتوى الضار ويمنح الحكومة صلاحيات واسعة للمحاسبة. وفي كوريا الجنوبية، فُرضت قيود على الألعاب الإلكترونية ليلاً لمن هم دون السادسة عشرة، وعلى استخدام المنصات داخل المدارس. وفي فرنسا، يجري العمل على قانون يمنع السوشيال ميديا لمن هم دون الخامسة عشرة إلا بموافقة الوالدين، مع تشديد على التحقق من العمر. هذه التجارب تؤكد أن العالم يتجه نحو حماية الأطفال من الفوضى الرقمية، وأن القرار الإماراتي يأتي في سياق عالمي متقدم، لكنه يتميز بوضوحه وحزمه وواقعيته.
فالقرار الإماراتي لا يكتفي بالتوصيات أو الإرشادات، بل يضع إطاراً قانونياً واضحاً يقدّم مصلحة الطفل على مصالح الشركات، ويمنح المنصات مهلة كافية لتطوير أدوات التحقق من العمر، ويمنح الأسر سنداً قانونياً وأخلاقياً لحماية أبنائهم. كما ينسجم القرار مع رؤية الدولة لبناء مجتمع رقمي متقدم، لكن ليس على حساب الطفولة ولا على حساب الصحة النفسية للأجيال القادمة. إنه قرار يعيد التوازن بين التكنولوجيا والإنسان، وبين حرية الوصول وحق الحماية، وبين ما تريده الشركات وما يحتاجه الأطفال.
إن حماية الأطفال من التلوث الرقمي ليست ترفاً، بل واجب وطني وأخلاقي. والقرار الأخير خطوة جريئة في زمن يحتاج إلى جرأة، ورسالة واضحة بأن الطفولة خط أحمر لا يجوز المساس به. إنه استثمار في المستقبل، وضمانة لنمو جيل قادر على التعامل مع التكنولوجيا بوعي، لا أن يكون ضحية لها. وفي عالم تتسابق فيه الدول لحماية أطفالها من الفوضى الرقمية، تثبت الإمارات مرة أخرى أنها سبّاقة في اتخاذ القرارات التي توازن بين التقدم والمسؤولية، وبين الانفتاح وصون الإنسان.
الكاتب. عبدالحميد أحمد من صحيفة البيان الاماراتية.



