
قبل أيام، عدت إلى خبرٍ نُشر قبل أسبوعين عن تصدّر دولة الإمارات العربية المتحدة الدول العربية في مؤشر الأداء البيئي العالمي لعام 2026. لم يستغرق مني قراءته سوى دقائق، لكنني بقيت أفكر في شيء آخر تماماً. خطر ببالي أن أجمل ما في الإنجازات ليس ما نراه منها، وإنما ما لا نراه.
فنحن نقرأ النتيجة، ولا نقرأ الطريق الذي أوصل إليها. نصفق للمركز الأول، لكننا لا نرى الاجتماعات التي امتدت ساعات، ولا الدراسات التي سبقت القرار، ولا فرق العمل التي كانت تتابع التفاصيل بينما كان الناس منشغلين بأخبار أخرى. نرى الثمرة، وننسى الجذور التي غذتها حتى نضجت. لهذا، لم أتعامل مع الخبر باعتباره رقماً جديداً يُضاف إلى سجل الإنجازات، بل باعتباره تذكيراً بأن النجاح لا يولد يوم إعلان النتائج، وإنما قبل ذلك بسنوات، عندما تتحول الرؤية إلى عمل، والعمل إلى ثقافة، والثقافة إلى أسلوب حياة.
ولعل ما حققته الإمارات في هذا المؤشر يعكس هذا المعنى بوضوح. فالاهتمام بالبيئة لم يعد يقتصر على إطلاق المبادرات أو رفع الشعارات، بل أصبح جزءاً من مشروع تنموي متكامل، يدرك أن حماية الموارد الطبيعية، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الاستدامة، ليست أهدافاً منفصلة، وإنما عناصر متكاملة في بناء المستقبل.
وفي قلب هذا العمل المؤسسي، تواصل وزارة التغير المناخي والبيئة أداء دورها في تحويل هذه الرؤية إلى برامج وسياسات ومشروعات تمتد آثارها إلى مختلف القطاعات. وتأتي جهود معالي الدكتورة آمنة بنت عبدالله الضحاك، وزيرة التغير المناخي والبيئة، ضمن هذا النهج الذي ينظر إلى البيئة بوصفها مسؤولية وطنية مشتركة، وإلى الاستدامة باعتبارها استثماراً طويل الأمد في الإنسان قبل المكان.
وما يعجبني في مثل هذه الإنجازات أنها لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تتركه من أثر. فالمؤشرات الدولية لا تمنح المراكز المتقدمة للمشروعات التي أُعلن عنها، وإنما للنتائج التي أصبحت واقعاً يلمسه الناس، ويعترف به العالم.
ولعل هذا الدرس لا يخص الدول وحدها، بل يخص حياتنا جميعاً. فكثيراً ما نعجب بإنجاز إنسان، وننسى الطريق الطويل الذي سار فيه حتى وصل. نرى الشهادة، ولا نرى ليالي الدراسة. نرى المشروع الناجح، ولا نرى المحاولات التي سبقته. نرى الشجرة المثمرة، ولا نرى من كان يسقيها كل يوم.
ومنذ سنوات، أصبحت أحاول أن أقرأ الأخبار بطريقة مختلفة. لا أتوقف كثيراً عند العنوان، بل أبحث عما يختبئ خلفه. لأنني أدركت أن كل إنجاز كبير يخفي وراءه عملاً صامتاً، وأن كل نتيجة عظيمة بدأت بقرار صغير اتخذه أحدهم بإخلاص، في يوم لم يكن فيه أحد ينظر إليه. ولهذا، فإن أجمل ما في هذا الخبر ليس أن الإمارات تصدرت الدول العربية في مؤشر عالمي، بل أنه يذكرنا بحقيقة بسيطة؛ أن الإنجازات لا تبدأ يوم يقرأها الناس في الصحف، وإنما يوم يقرر أصحابها أن يعملوا بصمت، ويتركوا للنتائج أن تتحدث عنهم.
الكاتب. فيصل سليمان ابو مزيد من صحيفة الامارات اليوم.



