
في إحدى مراحل مسيرتي المهنية، عاصرت تجربة إدارية لم أجدها في كتب الإدارة، ولا قرأتها في اللوائح التنظيمية، لكنها تركت في نفوسنا أثراً يفوق كثيراً من المبادرات المؤسسية، كانت ممارسة بسيطة في شكلها، عميقة في أثرها، أطلقها قائد آمن بأن بناء الإنسان يسبق إدارة العمل، وأطلقنا عليها اسم «ساعة شفافية».
لم يكن اللقاء يعقد في قاعة اجتماعات رسمية، ولا خلف طاولة طويلة تفرضها المناصب والمسميات الوظيفية، بل في جناح الإدارة، بين المكاتب المفتوحة، حيث يلتقي الجميع في مساحة واحدة، ويتراجع حضور المنصب أمام حضور الفكرة، هناك كان القائد يغادر مكتبه، فيقترب من الناس، وتقترب معه الحقيقة.
في البداية، كانت تلك الساعة فرصة لتبادل المعارف واستعراض التحديات اليومية التي تواجه فرق العمل، لكن مع مرور الوقت، تغير المشهد، لم يعد الموظفون يأتون حاملين مشكلاتهم فقط، بل أفكارهم أيضاً، وأصبحت كثير من الحلول تولد في المكان نفسه الذي ولدت فيه المشكلة، قبل أن تتحول إلى تقارير أو مراسلات رسمية.
وأتذكر أن إحدى الملاحظات التي طرحت خلال إحدى الجلسات بدت في ظاهرها بسيطة، لكنها انتهت إلى تعديل إجراء كان يرهق فريق العمل منذ فترة ليست بالقصيرة، عندها أدركنا أن كثيراً من الحلول كانت موجودة منذ البداية، لكنها كانت تنتظر بيئة تمنح أصحابها الشجاعة لقولها.
ولم يكن سر نجاح هذه التجربة في إتاحة الفرصة للحديث، بل في أن كل فكرة كانت تجد من يصغي إليها، وكل عقبة تستحق المعالجة كانت تتحول إلى قرار إداري أو إجراء فعال، فالشفافية التي لا يعقبها فعل، تتحول مع الوقت إلى مصدر للإحباط، أما حين يلمس الموظف أن صوته يحدث فرقاً، فإن ثقته بالمؤسسة تتضاعف، ويتحول من منفذ للتعليمات إلى شريك في تطويرها.
لكن نجاح هذه التجربة لم يكن لأنها خصصت ستين دقيقة في جدول العمل، فذلك أمر تستطيع أي مؤسسة أن تفعله، النجاح الحقيقي كان في السلوك القيادي الذي سبق الاجتماع والقرار الذي تبعه، فلم يكن القائد يبحث عن إجابات ترضيه، بل عن حقائق قد لا تعجبه، ولم يكن الموظفون يتحدثون لأنه طلب منهم ذلك، بل لأنهم أدركوا مع مرور الوقت أن كلماتهم تترجم إلى قرارات وأفعال، لأن الثقة لا تبنى بفتح باب الحوار، وإنما بما يراه الموظف من أثر حقيقي لما يقوله.
لاحقاً، لم تعد «ساعة شفافية» مساحة لمعالجة التحديات فحسب، بل أصبحت منصة للعصف الذهني، ومنها خرجت أفكار ومبادرات أسهمت في تطوير العمل، قبل أن تنضج التجربة أكثر لتصبح مناسبة لتقدير الإنجازات والاحتفاء بجهود الأفراد وفرق العمل، ومع مرور الوقت، لم يكن التغيير يقتصر على جودة القرارات، بل امتد إلى ثقافة المؤسسة نفسها، فازدادت المبادرات، وارتفعت جرأة الموظفين في طرح الأفكار، وتراجع التردد في مناقشة التحديات، وأصبح الحوار الصادق جزءاً من الممارسة اليومية، لا حدثاً استثنائياً.
لقد جسدت هذه التجربة ما تسميه المدارس الإدارية اليوم بـ«الأمان النفسي»، فالموظف يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن رأيه يستقبل باحترام، وأن اختلافه لا ينتقص من مكانته، لذلك، لم يكن انتقال القائد إلى المساحة المفتوحة مجرد تغيير للمكان، بل رسالة عملية بأن الحقيقة لا تسكن التقارير وحدها، وإنما تولد بين مكاتب من ينفذون العمل كل يوم.
لقد علمتني تلك التجربة أن الابتكار الإداري لا يبدأ دائماً بمشروعات ضخمة أو تقنيات متقدمة، بل قد يبدأ بقرار بسيط يتخذه قائد يختار أن يكون قريباً من فريقه، فحين تزال الحواجز بين القيادة والموظفين، تتدفق الأفكار، وتظهر المشكلات قبل أن تتفاقم، ويصبح الحوار جزءاً من ثقافة المؤسسة، لا مناسبة موسمية.
ستون دقيقة فقط كانت كافية لأن تغير طريقة التفكير، وتعزز الثقة، وتفتح أبواب المبادرة، لكن أثرها الحقيقي لم يكن في الزمن الذي استغرقته، بل في الثقافة التي صنعتها، والتي بقيت حاضرة في ذاكرة كل من عاش تلك التجربة.
لذلك، إذا كنت قائداً، فلا تجعل مكتبك هو المكان الوحيد الذي تدار منه المؤسسة، اقترب من موظفيك، واستمع إليهم بصدق، واجعل بينهم وبينك مساحة آمنة للحوار، فقد تكتشف أن ستين دقيقة من الشفافية قادرة على أن تغير ثقافة مؤسسة بأكملها، وأن أعظم التحولات لا تبدأ بقرار إداري كبير، بل بقائد يفتح بابه قبل أن يفتح جدول أعماله.
مقال للكاتب: د. عبدالله الخياط في صحيفة البيان.



