مقالات

كيف يبني الخليج مستقبله؟

أمال الشاذلي

كيف يبني الخليج مستقبله؟
على مدى جيل كامل، حوّلت منطقة الخليج رؤاها الطموحة إلى إنجازات ضخمة؛ كأطول برج في العالم، والمشاريع الأكبر من نوعها، والأفق العمراني الأسرع نمواً.
وكانت الإنشاءات العملاقة والإنجازات غير المسبوقة التي ألهمت العالم استراتيجيتنا وبصمتنا في نفس الوقت. واليوم، يتبلور تحوّل نوعي أعمق أثراً؛ إذ لم يعد السؤال في المنطقة عن حجم ما ننشئه فقط، بل عن التقنيات الذكية التي نوظفها فيه.
ويبلغ ذلك التحوّل حداً فاصلاً، حيث يتسابق العالم لإنشاء البُنى التحتية للذكاء الاصطناعي، والتي تشكّل الطاقة أبرز تحدياتها. فتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة وتشغيلها يتطلب طاقة هائلة ومركّزة وموثوقة. وفي معظم أنحاء العالم، يصطدم ذلك الطلب بشبكات متقادمة وفواتير متصاعدة وتململ محلي متنامٍ. أما في مختلف دول منظومة مجلس التعاون الخليجي، فيُلبّى هذا الطلب دون تأخير، حيث تشيّد الحكومات والجهات المطوّرة مجموعة من أعلى مشاريع البنية التحتية الرقمية طموحاً حول العالم، لمواكبة نمو وتعزيز تنوّع اقتصاداتها.
وتقدّم أبوظبي مثالاً واضحاً على ذلك، إذ تحتضن الإمارة اليوم أحد أكبر مجمّعات الذكاء الاصطناعي التي تُبنى في أي مكان في العالم خارج الولايات المتحدة، مستمداً طاقته من مزيج مدروس من الطاقة النووية السلمية والطاقة الشمسية والغاز. ويمثل ذلك إعلان نوايا، وتذكير بحقيقة تحرص عليها هذه المنطقة: فالبناء بحجم كبير عملية ممكنة؛ أما البناء بطريقة يؤدي فيها المبنى وظيفته بذكاء وكفاءة ويدوم طويلاً ويظل فعالاً، فذلك الإنجاز الحقيقي.
تأمّلوا ما يتطلبه تشغيل جيجاواط من الحوسبة في المناخات الجافة لفترات مديدة من العام. والتبريد يستحوذ على حصة هائلة من ذروة الطلب في مدن منطقتنا. ويمكن لخوادم الذكاء الاصطناعي سحب ما يفوق عشرين ضعف طاقة تشغيل الخوادم التقليدية، وتوليد قدر مماثل من الحرارة. وتشكّل تلبية ذلك الطلب إحدى أبرز التحديات التي يسعى العالم بأسره إلى حلّها اليوم.
ولم تعد ميزة منطقة الخليج تقتصر على وفرة الطاقة وحدها، بل كذلك في حرصها على امتلاك الذكاء الذي يجعل تلك الطاقة مُجدية؛ بهياكل طاقة مصمّمة من الشبكة إلى الشريحة؛ وتبريد سائل متقدّم يمكنه بالتصميم السليم تخفيض استهلاك الطاقة والمياه معاً؛ وتوائم رقمية تختبر المنشأة حتى قبل صبّ أساساتها بوقت طويل؛ وشبكات مصغّرة تحافظ على قدرة الأنظمة الحساسة على العمل في أي اضطراب.
والدليل الأوضح على تعميم ذلك كنمط شامل على مستوى المنطقة، لا يقتصر على قطاع واحد، يكمن في الطريقة التي يختار بها الخليج العمل. حيث توسع دبي شبكة المترو ذاتية القيادة لديها بالخط الأزرق الجديد، المبني وفق أعلى معايير الأبنية الخضراء، والمصمم لتخفيف الضغط عن الطرق لا لزيادة الطاقة الاستيعابية فقط. وتدشّن الاتحاد للقطارات خدمة نقل الركاب هذا العام، برحلات تستغرق أقل من ساعة بين أبوظبي ودبي مع افتتاح الشبكة على مراحل، بينما يُبنى مشروع حفيت للقطارات، أول خط سكة حديد عابر للحدود بين دولتين خليجيتين، ليربط دولة الإمارات وسلطنة عُمان.
وفي دبي الجنوب، يُبنى مطار آل مكتوم الدولي ليصبح الأكبر في العالم، بطاقة استيعابية مخطّطة تصل إلى 260 مليون مسافر سنوياً. وما يجمع تلك المشاريع ليس حجمها، فليس منها من يركز على الحجم وحده. إذ يمثل المترو ذاتي القيادة نظاماً يستشعر ويقرّر بصورة آنية. ويشكّل مطار بذلك الحجم، من منظور الطاقة، مدينة صغيرة يجب تشغيلها وتبريدها دون انقطاع. وتحقق كل تلك المشاريع طموحاتها بإدارتها بذكاء.
وليست تلك قصة واحدة، ففي أنحاء منطقة الخليج كلها، يصبح الذكاء أسلوب عملنا. وتتصدّر منطقتنا العالم في تبني العمليات المستقلة، حيث تستشعر الأنظمة وتقرّر وتستجيب آنياً، لتمكّن البشر من أداء الأعمال الأعلى قيمة. ويختلف التعبير عن ذلك من سوق إلى آخر.
فدولة الإمارات حوّلت أهداف الطاقة النظيفة إلى طاقة مُنجَزة بسرعة لافتة. بينما تبني سلطنة عُمان أحد أكثر النماذج انضباطاً وأشدها اعتماداً على الطاقة المتجددة في المنطقة. وتوجّه دولة قطر قوة اقتصادها القائم على الطاقة نحو تنويع مدروس ومُحكَم التخطيط. توجد منطلقات مختلفة، لكن الوجهة واحدة: بنية تحتية تقوم على الذكاء.
والذكاء والمرونة صنوان لا يفترقان. فالبنية التحتية العاجزة عن الصمود والأداء تحت الضغط، سواء بفعل الحرارة الشديدة أم تذبذب إمدادات الطاقة المتجددة أم تحديات أوسع نطاقاً، ستخذل من تخدمهم في نهاية المطاف. ويعني التصميم لأجل المرونة إنشاء أنظمة مزوّدة باحتياطيات حقيقية، ومبانٍ ومجمّعات تتكيّف مع الظروف بصورة آنية، وانتقالاً حاسماً من الاستجابة للمشكلات إلى استباقها.
والذكاء ذاته الذي يجعل مركز البيانات موثوقاً يجعل المستشفى وشبكة القطارات والمطار والمشروع الضخم موثوقاً كذلك. وفيما قد يحمل إخفاق واحد في الأداء تبعات أكبر وأوسع نطاقاً، لا يُعدّ ذلك تحسيناً كمالياً، بل ضرورة وميزة تنافسية.
وسنطرح هذا النقاش خلال الدورة المقبلة من قمة الابتكار للشرق الأوسط وأفريقيا، التي تنظمها “شنايدر إلكتريك” وتستضيفها أبوظبي هذا العام. وتتخطى القمة عرض المنتجات نحو البحث الجاد في كيفية تكامل السياسات والتقنيات والشراكات لتشكيل ملامح الجيل المقبل من البنية التحتية في منطقة الخليج، بما في ذلك المباني والمنشآت والمجمّعات والشبكات التي تنقل الناس والبضائع، والمصممة لاستهلاك أقل وأداء أفضل وتكيّف أسرع واستمرارية موثوقة.
صنعت الإنجازات العملاقة سمعة منطقة الخليج، وأحسنت صنعها. وفي العقد المقبل لن يقتصر القياس على طاقتنا الإنتاجية فقط، بل أيضاً على مدى الذكاء الذي نوظفه في تنفيذها ودمجها وتشغيلها. بضخامة إنشاءاتنا صنعنا اسمنا، وبالذكاء نواصل ريادة مستقبلنا.
الكاتبة. أمال الشاذلي من صحيفة البيان.
زر الذهاب إلى الأعلى