
دمشق، لا روما، هي الجديرة بلقب المدينة الأبدية. بهذه المقولة للسير ريتشارد فرانسيس بيرتون تستهل ديمة الشكر روايتها «أين اسمي». والاستهلال في محله من ناحية دمشق المدينة أو من ناحية بيرتون نفسه، فكلاهما من أبطال الرواية الرئيسين إلى جانب الشخصية المحورية قمّور، خادمة السير بيرتون ومساعدته في التدوين.
ومن هذا المدخل تنطلق الرواية لتعيد قراءة واحدة من أكثر لحظات دمشق حساسية ودموية، مذبحة عام 1860 التي عُرفت شعبياً بطوشة النصارى ووقعت أحداثها في حي باب توما المسيحي، لكنها لا تقدّم الحدث بوصفه مادة تاريخية صلبة، بل بوصفه سؤالاً مفتوحاً حول من يملك حق رواية التاريخ، ومن يُمحى اسمه من صفحاته، ومن يبقى صوته عالقاً في الهوامش.
تظهر دمشق في الرواية مدينة نابضة لا خلفية جامدة.. مدينة تتقاطع فيها القوى السياسية والدينية والاستعمارية، وتتحول إلى مسرح تُختبر فيه هشاشة البشر وقوة السرد.
دمشق في الرواية مدينة تتلألأ أطيافها بين ظلال الأزقة ورائحة الورد الدمشقي الذي ينساب من حدائق البيوت العتيقة. بلاطها الملوّن، الموشّى بالأزرق والأسود، يلمع تحت أقدام النساء اللواتي تتحرك أثوابهن الحريرية المطرّزة بخيوط الذهب كأنها امتداد لروح المدينة نفسها.
الأحجار البازلتية والرخام الأبيض وجدران القاشاني والنوافير في الديار وغرف الظلال وسيمفونية الملابس من الحرير والكتان والدانتيل. وتبلغ الصورة ذروتها في قصر أنطون شامية في باب توما، ذلك البناء المهيب الذي تتداخل فيه الأقواس والبحرات والظلال.
فيتحول إلى مسرح بصري يختزن ذاكرة دمشق الاجتماعية، ويكشف عبر تفاصيله الدقيقة عن عالم كامل من الطبقات والعلاقات والطقوس التي تحكم حياة المدينة في منتصف القرن التاسع عشر.
اختيار بيرتون ليس تفصيلاً عابراً، فهو أحد الذين كتبوا عن دمشق وتركوا نصوصاً مؤثرة في تشكيل صورة المدينة في المخيال الغربي، لكنه في الرواية ليس مجرد رحّالة، بل كاتب يملك سلطة التدوين، سلطة اختيار ما يُروى وما يُحذف، وسلطة تحويل الشهادة إلى وثيقة تحمل توقيعه وحده.
وهنا تبدأ الرواية في تفكيك العلاقة بين الشرق والغرب، بين من يروي ومن يُروى عنه، وبين من يملك اللغة ومن يُختزل وجوده في الهامش.
في قلب هذا المشهد تقف قمّور الفتاة الفقيرة التي تعمل خادمة في بيت بيرتون والتي شهدت المذبحة وهي طفلة، التي تم إنقاذها إلى بيت الأمير عبدالقادر الجزائري، تُكلّف بجمع شهادات الناجين من المذبحة، تستمع، وتدوّن، وتعيد صياغة الحكايات.
وتتحول إلى عين ترى ما لا يراه الرحّالة، وأذن تلتقط ما لا تلتقطه الوثيقة الرسمية، لكنها تُفاجأ بأن الكتاب الذي أسهمت في صنعه يصدر دون أن يُذكر اسمها. هذا المحو ليس حدثاً عابراً، بل جوهر الرواية وسؤالها المركزي: أين يذهب صوت المرأة حين تُكتب الحكاية؟
وكيف يتحول جهدها إلى ظل في نص يوقعه رجل يمتلك سلطة الورق والحبر؟ تمنح الشكر لقمّور ما لم يمنحه لها التاريخ، فتجعلها مركز السرد وصاحبة الذاكرة التي لم تُسمع، وتعيد الاعتبار لدورها بوصفها شاهدة ومؤرخة من موقعها المتواضع.
أما بيرتون، فتقدّمه الرواية بوجهين متداخلين: الرحّالة الذي انبهر بالشرق عموماً وبدمشق خصوصاً، وكتب عنها بإعجاب ظاهر، والكاتب الذي مارس سلطة الاختيار والحذف، فحوّل الوثيقة إلى نص منحاز لا تهاجمه الرواية مباشرة.
لكنها تكشف آليات الكتابة الاستشراقية التي تتخفّى خلف حيادٍ زائف، وتعيد طرح السؤال حول من يملك حق رواية تاريخ المدن والناس، وكيف تتحول الحقيقة إلى بناء لغوي يخضع لسلطة من يكتبه.
وفي خط سردي موازٍ تظهر زينة، طالبة العمارة السورية في لندن عام 2018، التي تعثر على مخطوط قمّور بعد أكثر من قرن. وجودها يربط بين مذبحة 1860 والحرب السورية الحديثة، بين ذاكرة مدينة تُدمَّر مرتين، وبين نساء يبحثن عن معنى وجودهن في عالم يصر على تجاهلهن.
زينة ليست مجرد وسيط بين الماضي والحاضر، بل مرآة تعكس استمرار الأسئلة نفسها: من يكتب التاريخ؟ ومن يملك الحق في استعادته؟ وكيف يمكن لامرأة معاصرة أن تعيد قراءة مأساة قديمة لتفهم حاضرها الممزق؟
تكتب ديمة الشكر بلغة رشيقة مقتصدة، لا تستعرض بلاغتها بل توظّفها لبناء جو تاريخي مشحون دون أن تقع في فخ الخطابة. السرد متماسك واللغة رصينة وذكية، والانتقال بين الزمنين يتم بسلاسة، في حين تحافظ الرواية على نبرة تأملية تمنحها عمقاً إنسانياً يتجاوز الحدث التاريخي.
وفي النهاية، تبدو «أين اسمي؟» رواية لا تبحث عن الماضي بقدر ما تبحث عن طريقة كتابته، وعن الأصوات التي جرى إسكاتها، وعن الأسماء التي سقطت من الهوامش. إنها عمل يعيد الاعتبار للذاكرة النسائية، ويذكّر بأن التاريخ ليس ما حدث، بل ما كُتب عمّا حدث، ومن كتبه، ولأية غاية.
الكاتب. عبدالحميد أحمد من صحيفة البيان.



