مقالات

محمد بن راشد.. حين تسبق الرؤية زمنها

سلطان حميد الجسمي

 

محمد بن راشد

 

التاريخ لم يبدأ أفكاره العظيمة بالتصفيق، ولم تبدأ الحضارات الشامخة التي غيّرت نمط الحياة بأفكار أدرك الناس عظمتها منذ لحظة ولادتها، فالأفكار التي سبقت زمنها بدت في بدايتها غريبة، لأنها كسرت المألوف وتجاوزت حدود الممكن في أعين الناس، لكنها أصبحت عظيمة لأنها حملت أحلام وطموحات قادة عظماء آمنوا بما يرونه قبل أن يراه الآخرون. فتلك هي طبيعة الأفكار الكبرى، تولد أحياناً في مساحة لا يراها إلا صاحب الرؤية، ثم تحتاج إلى سنوات حتى يراها الآخرون كما رآها هو منذ البداية.
وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، هو القائد الذي غيّر مفهوم الطموح، فالطموح في الفلسفة هو انتقال الإنسان من حال إلى حال أعظم، أما عند سموه فإن الطموح يبدأ من الفكرة الأولى، من تلك اللحظة التي يرى فيها القائد ما لم يره الآخرون بعد، ثم يمنح هذه الفكرة من عزيمته حتى تكبر، ومن إرادته حتى تتجاوز المستحيل، ومن عمله حتى تتحول إلى واقع. فالطموح عند سموه ليس أمنية تنتظر الظروف، ولا حلماً مؤجلاً إلى زمن أفضل، بل قوة تصنع ظروفها، وإرادة ترفع سقف الممكن كلما ظن الآخرون أنهم بلغوا نهايته، ورؤية تؤمن بأن كل قمة يصل إليها الإنسان ليست نهاية الطريق، بل بداية الطريق إلى قمة أخرى.
وفي المقولة الخالدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «علمتني الحياة أن التفكير بطريقة مختلفة، أو بناء شيء لم يعتد عليه الناس أو لا يفهمه الناس في وقته يجلب النقد من أصحاب النظرة الضيقة وممن لا يملكون البصيرة لرؤية المستقبل». يصف سموه هذا النوع من النقد وناقديه بأنهم أصحاب نظرة ضيقة، فهم أولئك الذين يقفون أمام كل فكرة جديدة بعين الماضي، ويحاكمون المستقبل بمقاييس الحاضر، حتى يصبح الخوف من التغيير حاجزاً أمام التطور. وكم من أوطان أبطأ مسيرتها هذا الفكر، وكم من مجتمعات تعطلت نهضتها حين أصبحت الأصوات الرافضة لكل جديد أعلى من أصوات الطموح، فالأمم لا تتقدم حين تخشى التجربة، ولا تصنع حضارتها حين تجعل المألوف نهاية الطريق، ولا تبلغ المستقبل إذا بقيت أسيرة لما اعتادت عليه.
إن أخطر ما يصنعه أصحاب النظرة الضيقة ليس مجرد الاعتراض على فكرة أو التشكيك في مشروع، بل صناعة بيئة تخشى أن تحلم، يتردد فيها المبدع قبل أن يبتكر، ويتراجع فيها الطموح خوفاً من النقد، ويصبح البقاء في المكان أكثر أماناً من محاولة التقدم. وعندما تسود هذه العقلية يتوقف الزمن، ليس لأن المستقبل توقف، بل لأن هناك من اختار ألا يسير إليه.
ويكمل سموه كلماته الخالدة: «طبيعة العمل العام أنه يجلب النقد.. ولابد أن تتحمل، افعل الصواب.. دعهم يتحدثون، أما إذا أردت رضا الناس الكامل فلا تقل شيئاً.. ولا تفعل شيئاً.. ولا تكن شيئاً». وهنا يصف سموه بدقة عميقة المراحل التي يمر بها صاحب الفكرة وصاحب الفعل الصواب، فالبداية أن تؤمن بما تفعل، ثم تمتلك الشجاعة لتبدأ، وبعدها تأتي مرحلة الاختبار حين ترتفع أصوات النقد والتشكيك، وهنا يكون عليك أن تتحمل، ثم تمضي في فعل ما تراه صواباً دون أن تجعل رضا الناس غايتك أو كلماتهم ميزاناً لطموحك، لأن صاحب الفكرة إذا انشغل بكل صوت توقف، وإذا حاول إرضاء كل ناقد تردد، وإذا خاف من كل اعتراض عاد إلى مكانه قبل أن يصل إلى غايته، أما من ثبت على فكرته وآمن بصواب فعله ومضى رغم الأصوات من حوله، فإن الزمن كفيل بأن يكشف قيمة ما صنع، وأن يحوّل ما كان يوماً موضعاً للنقد والتشكيك إلى إنجاز يتحدث عن نفسه، فالأفكار العظيمة قد تبدأ غريبة في أعين الناس، لكنها حين تنجح تصبح واقعاً يراه الجميع.
ولعل مسيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هي خير شاهد على ذلك، فقد أثبتت السنوات أن كثيراً مما بدا في بداياته طموحاً يتجاوز المألوف، أصبح واقعاً وإنجازاً ونموذجاً يُحتذى به، حتى أصبحت مسيرة سموه جزءاً خالداً من قصة وطن، ورؤية عظيمة امتد أثرها من دبي إلى الإمارات، ومنها إلى العالم، مسيرة كتبت فصولها بالإرادة والطموح والعمل، وتركت في كل مرحلة منها أثراً يشهد على فكر قائد لم يكتفِ بقراءة المستقبل، بل أسهم في صناعته، حتى غدت رؤيته مدرسة في القيادة والإنجاز، وإرثاً وطنياً تستلهم منه الأجيال معنى أن يكون الحلم كبيراً بحجم الوطن، وأن يكون الطموح بلا نهاية، متجسداً في اسم قائد عظيم يستمر عطاؤه لوطنه وشعبه، ويكبر أثره مع كل إنجاز، ليبقى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قائداً يرتبط اسمه بالطموح، وترتبط رؤيته بالمستقبل، وتستمر مسيرته اليوم في صناعة الإنجاز وكتابة فصول جديدة في قصة وطن، بعطاء لا يتوقف وطموح يتجدد، ورؤية تمضي بالإمارات ودبي نحو آفاق أعظم، جيلاً بعد جيل.

 

إعلامي وكاتب في المجال السياسي

مقال للكاتب: سلطان حميد الجسمي في صحيفة الخليج.

زر الذهاب إلى الأعلى