
ولم يكن ذلك الاهتمام انعكاساً لمكانة هذا اللقاء فحسب، بل لأنه جسد بصورة عملية رؤى صاحب السمو رئيس الدولة في قراءة المجتمع بعمق شديد، وفهم الإنسان، واستشراف المستقبل..
فعندما يؤكد سموه أن الأسرة المستقرة والممتدة، تمثل الركيزة الأساسية لحماية الهوية والقيم، فإنه يقدّم رؤية حضارية، ترى أن رأس المال الحقيقي للدول يبدأ من الإنسان، والإنسان يبدأ من أسرته، حيث تتكون شخصيته الأولى، وتتشكل ذاكرته ويولد انتماؤه.
ولذلك تمثل الرؤية الاستشرافية لصاحب السمو رئيس الدولة بإعلان عام 2026 عاماً للأسرة، واحتفائه بالعائلات الإماراتية الكبيرة الممتدة، بعداً استراتيجياً يضع الأسرة في قلب منظومة الأمن الثقافي للدولة، ويقدمها بوصفها البيئة الأولى التي تتحول فيها القيم إلى سلوك، والتراث إلى ممارسة، والانتماء إلى جزء من تكوين الإنسان.
ففيها يتعلم الطفل لغته الأولى، ويكتسب أسلوب الحوار، ويدرك معنى المسؤولية، ويحفظ العادات والتقاليد، ويتشرب منظومة القيم التي ترافقه طوال حياته..
وهذا ما أكده عالم الاجتماع، موريس هالبواخ، أن ذاكرة الإنسان تتشكل من خلال الأطر الاجتماعية التي يعيش فيها.. والأسرة هي أول وأعمق هذه الأطر، والأسرة هي التي تحدد ما هو تراث وما هو نسيان.. ولهذا حين تغيب الأسرة أو تضعف، يضعف معها ناقل التراث الأساسي.
ولهذا ظلت الأسرة عبر مختلف الحضارات، المؤسسة التي تنتج الهوية، قبل أن تتولى المدرسة صقلها، وتتولى مؤسسات الدولة تنظيمها. ويميز الفكر السوسيولوجي بين المعرفة التي يكتسبها الإنسان بالتعليم، والمعرفة التي تتشكل بالمخالطة اليومية، فالمدرسة تمنح المعلومات، أما الأسرة فتصوغ الشخصية.
وفي البيت الإماراتي تنتقل منظومة السنع، وآداب المجالس، واحترام الكبير، وروح التكافل، وثقافة العمل، من خلال الممارسة اليومية التي يصعب استبدالها بأي وسيلة تعليمية أخرى.. ولهذا بقيت الأسرة المؤسسة الأكثر قدرة على تحويل الثقافة من معرفة ذهنية إلى سلوك اجتماعي مستقر.
ويجعل التراث يعيش داخل العلاقات الإنسانية، قبل أن يعيش في الكتب والمتاحف.. ولهذا يمكن النظر إلى العائلات الإماراتية الكبيرة باعتبارها أرشيفاً اجتماعياً حياً، حفظ ذاكرة الوطن عبر الأجيال، وأسهم في ترسيخ الشخصية الإماراتية التي نعرفها اليوم.
وهذه المعادلة تعكس فهماً عميقاً لطبيعة التنمية، باعتبارها مشروعاً لبناء الإنسان، قبل أن تكون مشروعاً لبناء الاقتصاد، لأن المجتمعات القادرة على المحافظة على منظومتها القيمية، تمتلك قدرة أكبر على استيعاب التغيير، وتوجيهه لخدمة مستقبلها.
فكل بيت متماسك، يضيف إلى الإمارات رصيداً جديداً من الوعي، وكل عائلة تحافظ على قيمها وتراثها، تسهم في إعداد جيل يجمع بين المعرفة والانتماء، وبين الطموح والوفاء، وبين الانفتاح على العالم والاعتزاز بالجذور.. وهكذا تواصل الإمارات بناء مستقبلها من المكان الذي بدأت منه دائماً، الإنسان، والأسرة، والقيم التي صنعت قصة هذا الوطن منذ البدايات الأولى.
مقال للكاتبة: د. موزة غباش في صحيفة البيان.



