مقالات

مرزوق المرزوق… صاحب اللحن الأشهر عن وحدة الخليج

د. عبدالله المدني

مرزوق المرزوق... صاحب اللحن الأشهر عن وحدة الخليج

دمت الكويت منذ القدم، ولا تزال تقدم للساحتين المحلية والخليجية، بل وحتى للساحة العربية، أسماء لامعة ومواهب رفيعة في عالم التلحين والموسيقى. ومن يقرأ تاريخ الموسيقى في الكويت، سيجد أمامه عشرات الأدلة على علو كعب الكويتيين، ليس في مجال الغناء والتلحين وتطوير الموسيقى الخليجية.

وإنما أيضاً في مجال التسجيلات الفنية وإقامة الحفلات الموسيقية والاقتباس من الفنون الغنائية اليمنية والحضرمية والعدنية والحجازية والهندية والفارسية، والتفاعل معها لإنتاج الجديد والمتطور.

تقول الصديقة الدكتورة هيلة حمد المكيمي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة الكويت، وعضو الهيئة الاستشارية لدول مجلس التعاون في بحث كتبته حول توثيق الأغنية الكويتية أن البداية كانت مع الفنان الشاعر «عبدالله بن محمد بن فرج المسعري الدوسري» الشهير باسم «عبدالله الفرج» (1836 ــ 1901)، الذي درس الموسيقى في الهند على يد أساتذة متخصصين، وغنى بالعربية والهندية والفارسية واقتبس من موسيقى هاتين الحضارتين.

وكان لتنقلاته ما بين الكويت والبحرين والأحساء والبصرة والهند تأثير كبير على الجيل الأول لرواد الأغنية الكويتية، خصوصاً وأنه كان صاحب مجلس خاص بالكويت لجلسات السمر وعلى صلة وثيقة بثلاثة من أوائل فناني وملحني الكويت وهم: إبراهيم اليعقوب (ت: 1928)، وخالد البكر (ت: 1925)، ويوسف البكر (ت: 1955).

هذا ناهيك عن تأثر الفرج بالغناء العراقي من خلال الأخوين المبدعين داوود وصالح الكويتي اللذين ولدا في الكويت لعائلة يهودية عراقية مهاجرة، وتعلما العزف وغناء الصوت الخليجي على يد خالد البكر، قبل عودتهما للاستقرار في بغداد عام 1929.

والمعروف أن الأخوين داوود وصالح هما من رافقا الفنان عبداللطيف الكويتي إلى البصرة وبغداد لتسجيل أغانيه على أسطوانات للمرة الأولى لدى شركة بيضافون سنة 1927.

وتضيف الدكتورة المكيمي أن حقبة العشرينيات إلى الأربعينيات من القرن العشرين كانت حقبة توثيق وتطوير التراث الشعبي الكويتي، والذي يعد امتداداً لإبداعات وإسهامات الشاعر والملحن عبدالله الفرج.

ففيها بزغ نجم الفنان عبدالله الفضالة (1900 ــ 1967) الذي أخذ من الشاعر الكبير بن لعبون، وتأثر بالفنانين محمد بن سمحان ومحمد بن شريدة، وكان أول من أدخل الآلات الموسيقية على فن السامري، وأول من استخدم البيانو وجر الربابة على الكمان، وأول من سجل أغاني له على أسطوانات في بومباي سنة 1929.

وبطبيعة الحال، جاءت بعد ذلك حقبة الجيل الثاني التي تسنمها فنانون وملحنون من أمثال سعود الراشد وأحمد الزنجباري ومحمود الكويتي وعوض الدوخي، ثم حقبة الجيل الثالث التي تسيدها باقتدار شادي الخليج، وكان من نجومها غريد الشاطئ وصالح الحريبي وعبدالحميد السيد وحسين جاسم ويوسف المهنا ومصطفى أحمد، وغيرهم.

ومما لا شك فيه أن عوامل مثل ذهاب ثلة من الشباب الكويتي إلى مصر لدراسة الموسيقى على أصولها، وافتتاح إذاعة الكويت سنة 1951، وتأسيس مركز الفنون الشعبية سنة 1956، وجلب مختصين من مصر لتأسيس فرقة الإذاعة الموسيقية.

وإنفاق الدولة السخي على الفنون بمختلف أشكالها بعد استقلال الكويت عام 1961، وافتتاح التلفزيون الرسمي سنة 1961، وإنشاء المعهد العالي للفنون الموسيقية لعبت دوراً هاماً في بروز الكويت كمعقل للفن ورموزه بمنطقة الخليج.

كانت تلك مقدمة ضرورية للحديث عن علم من أعلام التلحين في الكويت، وعملاق من جيل الملحنين العمالقة في الخليج، هو «مرزوق أحمد محمد الدوسري» الشهير باسم «مرزوق المرزوق»، صاحب المائة لحن (ما بين أغنية عاطفية ودينية ووطنية ومقطوعة موسيقية وأوبريت) ومكتشف الفنان الراحل «عباس البدري» الذي عُرف بصوته العذب وأغنيته الجميلة الأولى «غالي غالي لو يدري».

هذا ناهيك عن أن المرزوق شارك في تأسيس فرقة التلفزيون للفنون الشعبية عام 1978 وقدم لها 32 لحناً من أبرزها أغنية «مصيرنا واحد» وأغنية «أنا الخليجي»، وكلتاهما من كلمات الشاعر الغنائي عبداللطيف البناي، ويعتبران من أجمل ما قدم في إطار الأغاني المعبرة عن وحدة دول وشعوب مجلس التعاون الخليجي، حتى الآن.

كتبت عنه صحيفة «الجريدة» الكويتية (12/8/2012) فوصفته بأنه أحد أبرز أعمدة الأغنية الكويتية الحديثة، ثم قالت إنه: «اضطلع مع إخوانه الملحنين والمطربين بمسؤولية تقديمها في إطار متجدد.

وكان وراء تجاوزها حدود الإقليمية إلى شتى أنحاء الوطن العربي، بفضل إخلاصه وتضحياته التي بذلها في مسيرته الفنية الطويلة، فترك لمسات خاصة وبصمات مميزة في نوعية الألحان المطورة، خصوصاً في الجمل اللحنية الوطنية».

وأضافت الصحيفة أنه: «من النادر أن نجد له لحناً فاشلاً، فأعماله كلها مدروسة ومتقنة ومستمدة من الروح الكويتية، في إطار عصري مع الحفاظ على أصالتها، وقد تجاوز مرحلة التطوير التقليدي، مازجاً التراث في تعامله مع الأغنية بذكاء وحرص وأمانة في استخدام الموروث الفني ضمن ضوابط ملتصقة بالقيم».

ووصفه مواطنه صالح الغريب في جريدة «القبس» (18/8/2000) بأنه «حالة غنائية موسيقية فنية شاملة تحتاج من الباحثين والمختصين بالموسيقى والغناء التوقف عندها طويلاً بالتحليل والتنقيب في جوانب أعماله الغنائية الرائعة».

ولد المرزوق بمدينة الكويت العاصمة في 11 نوفمبر سنة 1946، وفي العاشرة من عمره، زمن أن كان طالباً بالمرحلة الابتدائية، سحرته الأغاني والإيقاعات الجميلة، فراح يرددها ويحفظها ويعزفها على آلة عود بدائية صنعها بنفسه من علبة صفيح (غلن) شد عليها أوتاراً من خيوط صيد السمك، حتى جرح أطراف أصابعه. لاحقاً تمكن من ادخار بعض المال.

فاشترى به عوداً حقيقياً وتعلم العزف عليه بمجهوده الذاتي، مدفوعاً بغرامه وعشقه الشديد لهذه الآلة الشرقية، وشغفه العميق بعزف ما يحلو له من أعمال المطربين العرب، ثم راح يختار بنفسه نصوصاً شعرية ويلحنها ويُسمعها لزملائه وأصدقائه الذين شجعوا موهبته واستحسنوا عزفه وغناءه.

وهكذا، فبعد أن أتم المرزوق تعليمه الإعدادي بمدرسة صلاح الدين سنة 1962 التحق بقسم دراسة الموسيقى في معهد المعلمين ليشبع هوايته ويصقل موهبته. وحينما تخرج في المعهد سنة 1965، تمّ تعيينه مدرساً بوزارة التربية والتعليم.

وإبان هذه الفترة من حياته قدم أول لحن له، وكانت عبارة عن سامرية «في غرامك» التي كتب كلماتها سعد الثويني وغناها المطرب المبتدئ آنذاك عباس البدري سنة 1967، وسجلتها إذاعة الكويت.

وفي هذه الفترة من مسيرته انخرط في الأعمال الفنية الإدارية من خلال عضويته في جمعية الفنانين الكويتيين التي نالها سنة 1967، وعضويته في مجلس إدارة الجمعية (1968 ــ 1971)، وعضويته في لجنة الحفلات بالجمعية. وبصفته الأخيرة شارك في العديد من الحفلات الداخلية والخارجية التي أشرفت عليها الجمعية ومنها حفل في عام 1969 للاتحاد الوطني لطلبة الكويت في بيروت.

من جهة أخرى شارك المرزوق سنة 1970 في اجتماع لجنة دعم العمل الفدائي المنبثقة عن جمعية الفنانين الكويتيين، وأصبح عضواً في اللجنة المنسقة مع جمعية الهلال الأحمر الكويتي.

كذلك شارك في اجتماعات لجنة الملحنين التي شكلها مجلس إدارة جمعية الفنانين سنة 1971 بهدف تلاحم عمل المطربين والملحنين، ورافق الفنان شادي الخليج إلى مؤتمر تأسيس اتحاد الموسيقيين العرب.

وشارك في وفد برئاسة شادي الخليج إلى لقاء الأخوة والصداقة مع فناني العراق، ومثل الكويت مع بدر بورسلي في مهرجان الربيع للموسيقى في تشيكوسلفاكيا سنة 1979.

كما كان ضمن وفد الكويت المشارك في الأسبوع الثقافي الذي أقيم في اليمن عام 1983، وضمن وفد الكويت إلى المهرجان الثقافي الأول لدول مجلس التعاون في اليابان سنة 1985.

في أوائل السبعينيات، شعر المرزوق أنه بحاجة لإكمال دراسته الجامعية في تخصص الموسيقى، فسافر لهذا الغرض إلى القاهرة، التي التحق فيها بالمعهد العالي للفنون الموسيقية.

وبعد أن أمضى سنوات في رحاب القاهرة دارساً ومكافحاً ومطلعاً على نفائس الموسيقى العربية ومتتلمذاً على يد ثلة من كبار الموسيقيين والعازفين المصريين، حصل في عام 1977 على درجة البكالوريوس من المعهد العالي المصري.

واللافت هنا هو أن الرجل لم يضع وقتاً لتفجير طاقاته بعد تخرجه وعودته إلى الكويت. ففي عام 1977 طوّر صوت «قف بالطواف» الذي يقول مطلعه:

قف بالطواف ترى الغزال المحرما

حج الحجيج وعاد يقصد زمزما

بدر إذا كشف اللثام رأيته

أبهى من القـمر المنير وأعظما

وهذا صوت معروف كان قد شدا به فنانون كويتيون قدامى كعبدالله الفرج، لكن المرزوق أعاد صياغته في قالب لحني جديد وتوزيع منسق بديع وقدمه للفنان الكبير شادي الخليج كي يغنيه بصوته القوي من إذاعة وتلفزيون الكويت، فبدت وكأنها أغنية جديدة لم يسبق لأحد أن قدمها.

ويمكن للإذن الموسيقية الخبيرة أن تقر وتؤكد تميز أعمال المرزوق، وقدرته الفذة على مزج الألحان وابتكار المقدمات الساحرة. ويكفينا مثالاً في هذا السياق الإشارة إلى اللحن الذي وضعه لحسين جاسم في أغنيته الخالدة «يا شمعة الجلاس»، واللحن السريع القوي الذي وضعه للمطربة علية التونسية في أغنية «يا بنيات المدينة».

حقق المرزوق من وراء «قف بالطواف» نجاحاً كبيراً، وشهرة مدوية، الأمر الذي حفزه على المواصلة بخطى واثقة. وكان من ثمرة ذلك تقديمه ألحاناً رائعة للعديد من نجوم الأغنية الكويتية.

إذ قدم من ألحانه: «سيد المها» و«يا ناعم العود» لعبدالله الرويشد، «يا قربك لي ويا بعدك» و«من غير داعي» و«تمون إنت تمون» لمحمد المسباح، «يا معاند الشوق».

و«جزى الله» لسليمان الملا، «أحاول» و«من غير مواعيد» لعبدالكريم عبدالقادر، «بيت الهنا» لحمود الخضر، «ياذا النسيم» و«واعذابي من اللي» و«أول ما نبدي نقول شيللاه» لمصطفى أحمد، «يوم خلي طرا» لعبدالمحسن المهنا، «يا هلا فيك» لفيصل السعد، «سراب» و«مستحيل» و«الوداع» و«شراع الظروف» لغريد الشاطئ، «يا كثر ما أروح وأرجع» لرباب، و«متعجبة» لفتاة سلطان.

في هذه الأعمال وغيرها تعاون المرزوق مع ثلة من الشعراء الكويتيين، أبرزهم: د.عبدالله العتيبي ومبارك الحديبي وعبدالأمير عيسى وساهر ويعقوب السبيعي وأحمد الشرقاوي وفائق عبدالجليل وعبداللطيف البناي وجاسم شهاب ومحمد التنيب. وبدر بورسلي وعبدالله الدرويش ويوسف ناصر وعبدالله العجيل ومبارك المعتوق.

إلى ما سبق، وضع الألحان أو الموسيقى التصويرية أو المقدمات لمجموعة من المسلسلات وفوازير رمضان مثل «ستوب قف هوب»، و«رحلة العمر» و«أبله منيرة» وأوبريت «قناديل الأمل» (إلى أبي وأمي مع التحية) من تأليف عبدالأمير عيسى وهي من أجمل وأجود الأوبريتات في تاريخ الكويت، و«مذكرات جحا»، و«علي بابا»، و«درس خصوصي»، وأوبريت «سوق المناخ» من كلمات فائق عبدالجليل.

وأوبريت «جسر المحبة الكويت» من غناء عباس البدري وكلمات الشهيد عبدالله الراشد، وصولاً إلى أوبريت «شمس الشموس» من كلمات الدكتور عبدالله العتيبي والتي سجلت في أكتوبر 1984، وقدمت أمام زعماء دول مجلس التعاون الخليجي لدى انعقاد القمة الخليجية في الكويت.

وقد لحن الفنان المرزوق الفقرة الخاصة بالمملكة العربية السعودية متّبعاً فيها فن «العرضة»، وغناها الفنان محمد عمر، ولحن الفقرة الخاصة بدولة الإمارات العربية المتحدة مستخدماً فيها «فن العيالة»، وغناها المطرب عبدالله بالخير.

كما سجّل في 1980 موسيقى خاصة بمسلسل إذاعي توثيقي حول سيرة الفنان الكويتي الراحل عبدالله الفضالة، ولحن لفرقة التلفزيون استعراضات غنائية راقصة من كلمات يعقوب السبيعي، من بينها: «دار النشامى» و«أم العواطف» و«في هوى ريم» و«شمس الأعياد» و«مبروك يا كويت».

ولا تكتمل سيرة المرزوق دون الإشارة إلى أنه حصل على بعثة دراسية لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه في الولايات المتحدة، وبالفعل سافر إلى هناك مصطحباً معه أسرته، لكنه قطع دراسته بعد عام ونصف العام وعاد إلى الكويت، مطالباً بتأجيل ابتعاثه لظروف قاهرة.

ودّع المرزوق دنيانا في يوم الجمعة الموافق 18 أغسطس 2000 ففقدت الساحة الغنائية الكويتية والخليجية ملحناً فذاً لم يبخل على وطنه بالعطاء، ولعب دوراً بارزاً في الحفاظ على تراثه وتطوير فلكلوره الشعبي مع تقديمه بشكل عصري للأجيال الجديدة.

وبعد مرور 18 عاماً من وفاته، تمّ تكريمه من قبل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بحضور وزير الإعلام محمد الجبري في مهرجان الموسيقى الدولي بالكويت في يونيو 2018 الذي أقيم على مسرح عبدالحسين عبدالرضا في لمسة وفاء في أول ليلة من ليالي المهرجان، حيث تم تقديم 13 لوحة فنية غنائية، تسع منها أغانٍ من ألحان المرزوق.

الكاتب. د. عبدالله المدني من صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى