
لم يعد السؤال: هل سيغير الذكاء الاصطناعي التعليم؟ بل متى سنقول وداعاً للتعليم كما عرفناه؟ وداعاً لذلك المبنى المسمى مدرسة، وتلك الغرفة المسماة صفاً يجلس فيه 30 طالباً يتلقون المعلومة بالطريقة نفسها والسرعة نفسها، كأنهم نسخ مكررة من عقل واحد.
هذا النموذج الذي ورثناه من عصر المصانع، حيث كنا نُعلم الناس ليكونوا موظفين متشابهين، انتهت صلاحيته.
ما نحن مقبلون عليه ليس تطويراً للتعليم، بل هو موت له وولادة لشيء آخر اسمه التعلم. في المستقبل القريب جداً، لن يذهب ابنك إلى المدرسة ليتعلم، سيستيقظ ويفتح جهازه فيجد معلمه الخاص في انتظاره، ليس معلماً بشرياً، بل ذكاء اصطناعي يعرفه أكثر مما يعرف نفسه، ويحلل شخصيته بالكامل، ويعرف هل هو بصري أم سمعي أم حركي، يعرف هل ذاكرته قصيرة المدى.. قوية أم طويلة المدى، هل يمل بسرعة أم يركز لساعات، هل هو قلق عند الاختبار أم مغامر يحب التحدي، سيقيس قدراته العقلية وسرعة استيعابه.. نقاط قوته وضعفه وحتى مزاجه اليوم.
وبناء على هذا التحليل العميق، سيفصل له رحلة تعلم خاصة به وحده، لا تشبه رحلة أي إنسان آخر. الطالب الذي يحب القصص، سيتعلم الرياضيات عبر قصة، والذي يحب اللعب سيتعلم الفيزياء عبر لعبة، والذي يحب الرسم سيتعلم التاريخ عبر رسم الخرائط، لن يكون هناك منهج موحد. سيتحول دور الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة إلى «موجّه ومدرس ورفيق رحلة» لكل طالب، وسيكون متاحاً 24 ساعة، يتحدث بلغته ولهجته، في رحلة أكثر تشويقاً وتحدياً من أي وقت مضى.
لكن نحن لا نذهب للمدرسة لنتعلم جدول الضرب فقط، نحن نذهب لنتعلم كيف نكون بشراً. من سيعلم ابني قيمة الصدق إذا لم يرها في عيني معلمه؟ من سيعلمه التواضع إذا لم ير معلمه العظيم يشكر عامل النظافة؟ من سيعلمه الرحمة إذا لم يمسح معلمه على رأسه يوم اشتكى وبكى؟ التعليم ليس معلومات أصبحت مجانية. التعليم هو تربية في الأساس. الذكاء الاصطناعي سيعطيك المعلومة لكنه لن يعطيك القدوة، أخشى ما أخشاه أن نُخرّج جيلاً يعرف كل شيء عن العلم، ولا يعرف شيئاً عن الإنسانية والأخلاق.
مؤسس سهيل للحلول الذكي
مقال للكاتب: محمد سالم آل علي في صحيفة الإمارات اليوم.



