
البيت في الأصل مساحة للسكن والسكينة والاستقرار، مكان نعود إليه تاركين خلفنا أعباء وهموم الخارج، مكان وجد لنعيش فيه على طبيعتنا وبكل أريحية، لكن يبدو أن مفهوم المنزل تغير لدى البعض مع وسائل التواصل الاجتماعي، وظهرت تساؤلات حديثة أمام ساكنة المنزل.. كيف سيبدو منزلي في الصورة؟ وهل سيعجب الناس حين يظهر في «سناب شات» مثلاً؟
أصبحنا نشاهد منازل صممت بعض تفاصيلها للمباهاة أمام الآخرين أكثر مما صممت لخدمة ساكنيها، فتختار قطع الأثاث والديكور وفق الرائج في وسائل التواصل الاجتماعي، وتتغير الألوان والتصاميم، لأن هذا النمط هو الأكثر انتشاراً وتصويراً، حتى وإن كان لا يعبّر عن ذوق أصحاب المنزل ولا يتناسب مع احتياجاتهم، ولو فوق طاقتهم المادية، وكأننا، دون أن نشعر، سمحنا لذوق الجمهور بأن يدخل بيوتنا ويختار معنا أثاثها وتفاصيلها.
ولا أتحدث هنا عن حب الجمال أو الاهتمام بالمنزل، فذلك أمر محمود، والبيت الجميل والمنظم ينعكس إيجاباً على أهله، وإنما أتحدث عن المبالغة التي تحوّل الجمال إلى عبء، والترتيب إلى حالة استنفار مستمرة، يصبح فيها تحريك الوسادة من مكانها سلوكاً سيئاً، وألعاب الأطفال المبعثرة مشهداً يجب إخفاؤه بسرعة كأنه استنقاص من قدر الأسرة، لأن المنزل يجب أن يبقى طوال الوقت مستعداً لالتقاط بعض الصور.
تلاشت الراحة خلف الإرهاق النفسي المزمن؛ قلق من أي تفاصيل قد تشوه المشهد المثالي والنمطي الذي اعتدنا عرضه للآخرين، والمفارقة أننا قد نقضي وقتاً أطول في تجهيز المكان للتصوير من الوقت الذي نقضيه في الاستمتاع به، تصل القهوة فنرتبها ونصورها قبل أن نشربها، ويجهز الطعام فنبحث عن الزاوية والإضاءة قبل أن نجتمع حوله.
لكن من يدفع الثمن الأكبر أحياناً هم الأطفال! فالبيت بالنسبة للطفل هو عالمه الأول، يريد أن يركض ويلعب ويبني ويبعثر ألعابه ثم يعيد ترتيبها، وحين يصبح الحفاظ على المظهر العام للمنزل أهم من راحته، يسمع باستمرار: لا تلمس، لا تحرك، لا تلعب هنا، انتبه للأثاث، لا توسخ المكان، والأغرب أننا نوثق طفولة أبنائنا في آلاف الصور، بينما قد نحرمهم، دون قصد، من بعض التفاصيل التي تجعل الطفولة نفسها جديرة بالتوثيق، فينشأ الطفل في منزل جميل في الصور، باهت في الذكرى. من الطبيعي أن توجد لعبة في زاوية، وكتاب على طاولة، وكوب لم يرفع بعد، هذه ليست عيوباً في المنزل، بل مؤشرات على الحياة.
عضو سابق في المجلس الوطني الاتحادي
مقال للكاتبة: عائشة محمد سعيد الملا في صحيفة الإمارات اليوم.



