
لم يَعُد أخطر ما يجري في الشرق الأوسط هو الصواريخ التي تُطلق، ولا الطائرات المسيّرة التي تعبر الحدود، ولا حتى الهجمات التي تستهدف الملاحة الدولية أو دول الخليج. فهذه كلها نتائج يمكن رؤيتها بالعين المجردة. أما التحول الحقيقي، فهو أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة أصبحت فيها الحرب والدبلوماسية تسيران في المسار نفسه، بعد أن كان يُعتقد لعقود أن إحداهما تبدأ عندما تنتهي الأخرى.
الهجوم على سفينة في مضيق هرمز، والرد الأميركي بضرب أهداف داخل العُمق الإيراني، ثم استهداف البحرين بالطائرات المسيّرة، لم تكن أحداثاً منفصلة، بل حلقات في مشهد واحد. إنها رسائل سياسية كُتبت بالصواريخ، بينما بقيت قنوات الاتصال والوساطات مفتوحة في الوقت نفسه. وهذا بحدِّ ذاته يمثّل تحوّلاً غير مسبوق في إدارة الصراعات.
وفي الماضي، كانت الدبلوماسية تُستخدم لإيقاف الحرب، وكانت الحرب تعني فشل الدبلوماسية. أما اليوم، فقد أصبحت الضربة العسكرية ورقة تفاوض، وأصبحت المفاوضات وسيلة لإدارة التصعيد أكثر من كونها وسيلة لإنهائه. لم يَعُد الطرفان ينتظران توقف القتال حتى يجلسا إلى طاولة الحوار، بل يتفاوضان وهما يتبادلان الرسائل العسكرية، في معادلة جديدة تتداخل فيها السياسة مع القوة بصورة غير مسبوقة.
وهنا تكمن نقطة التحول الأخطر. فحين تصبح القوة العسكرية جزءاً من عملية التفاوض، تتغير قواعد اللعبة بالكامل. لم تَعُد الدول تسعى إلى تحقيق نصر عسكري حاسم بقدر ما تسعى إلى تحسين موقعها على طاولة المفاوضات. وكل ضربة عسكرية لم تَعُد تهدف فقط إلى إضعاف الخصم، بل إلى رفع سقف المطالب السياسية، وفرض وقائع جديدة قبل أي اتفاق محتمل.
ولعل ما جرى في مضيق هرمز يؤكد هذه الحقيقة. فاستهداف الملاحة لم يعد مجرد تهديد لممر بحري استراتيجي، بل أصبح اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على حماية أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. كما أن انتقال التصعيد إلى البحرين يؤكد أن أمن الخليج لم يَعُد ساحة جانبية في هذا الصراع، بل أصبح جزءاً أساسياً من معادلته. وأي اعتداء على دولة خليجية لم يعد يُقرأ باعتباره حادثاً محلياً، بل رسالة تمسُّ أمن المنطقة بأكملها، وتمتد آثارها إلى أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وثقة الاقتصاد العالمي.
لكن السؤال الحقيقي ليس من أطلق الصاروخ الأول، ولا من ردَّ عليه، بل: إلى أين تقود هذه القواعد الجديدة؟ فعندما تتحول الضربات العسكرية إلى أدوات تفاوض، تصبح احتمالات الخطأ في الحسابات أكبر من أي وقت مضى. والتاريخ يعلّمنا أن كثيراً من الحروب الكبرى لم تبدأ لأن أحداً أرادها، بل لأن الجميع اعتقد أن الطرف الآخر لن يرد، أو أن التصعيد سيظل تحت السيطرة.
إن أخطر ما كشفته الأحداث الأخيرة ليس قوة هذا الطرف أو ضعف ذاك، وإنما التحول في طبيعة الصراع نفسه. فالردع لم يَعُد يمنع استخدام القوة كما كان في السابق، بل أصبح يحدد حدودها فقط. والمفاوضات لم تَعُد تصنع السلام بالضرورة، بل أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة لإدارة الصراع وتأجيل الانفجار. وهذا يعني أن المنطقة دخلت مرحلة انتقالية لم تتشكل قواعدها الجديدة بعد، وهي مرحلة تزداد فيها احتمالات سوء التقدير أكثر من احتمالات الحسم.
ولهذا، فإن أي اتفاق يقتصر على الملف النووي، أو العقوبات، أو أمن الملاحة، لن يكون كافياً لإعادة الاستقرار. فالمنطقة لا تحتاج إلى اتفاق يعالج أعراض الأزمة، بل إلى تفاهمات جديدة تُعيد بناء قواعد الردع، وتحدد بوضوح حدود استخدام القوة، وتمنع تحويل كل خلاف سياسي إلى مواجهة عسكرية، وكل مواجهة عسكرية إلى ورقة تفاوض.
لقد اعتاد العالم أن يقول إن الدبلوماسية هي البديل عن الحرب. أما الشرق الأوسط اليوم، فيقدم نموذجاً مختلفاً وأكثر تعقيداً، فالحرب لم تَعُد بديلاً للدبلوماسية، بل أصبحت إحدى أدواتها. وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تقلق الجميع، لأنها إذا استمرت، فلن يكون السؤال متى تنتهي الحرب، بل متى تتحول أي أزمة محدودة إلى صراع لا يستطيع أحد احتواءه؟
لواء ركن طيار متقاعد.
مقال للكاتب: عبدالله السيد الهاشمي في صحيفة الاتحاد.



