مقالات

هوامش بلا حرب

أمينة خيري

هوامش

 

 

منذ عرفت البشرية الحروب عرفت كذلك التفكير في منطقها، والغاية منها. وبينما الجيوش تحارب بعضها البعض على أرض المعركة ظل فلاسفة ومفكرون يبحثون عن المنطق وراء القرارات والأحداث المؤدية إلى اندلاع الصراعات.
ورغم أن الحرب بطبيعتها تقلص هوامش التفكير، وتتعارض مع جهود البحث عن المنطق، فإنها تظل وسيلة عنيفة، يستخدمها قادة لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو كليهما، وتظل الحرب برهاناً على فشل مأساوي للعقل، وإخفاق مؤكد للمنطق. البعض ينجر إليها مضطراً للدفاع، والبعض الآخر يأخذ زمام المبادرة ويختار الحرب، فيجر نفسه ومن حوله إليها.
ستظل جدليات الحروب وما تنطوي عليه من منطق أو تفتقده موضوعاً للنقاش الإنساني، أما أن تنشأ على هامش الحرب، المشكوك في منطقها أصلاً، حروباً بالوكالة، ثم تفتح جبهات موازية فهذا الجنون بعينه.
مع تجدد المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وتصعيدهما للضربات والهجمات من جهة، وعودة الطرفين إلى التصريحات المتناقضة المتأرجحة بين التلويح بتصعيد القتال، والتلميح بتهدئة الأوضاع، إذ إن الضربات «المحسوبة» ليست بالضرورة حكيمة أو منطقية، لكنها قد تعكس مخاطرات جنونية، أو سوء تقدير، أو تهدف إلى توسيع قاعدة الفوضى.
التفسيرات والتحليلات المتداولة لهذا العرض العجيب تقف قاصرة عن توفير إجابات منطقية لقرارات غير منطقية. أن تهرع إيران إلى توجيه ضربات لدول الخليج في كل مرة تتجدد مواجهتها مع الولايات المتحدة أمر بالغ الغرابة، لا سيما أن دول المنطقة تعاملت مع هذه الضربات منذ فبراير الماضي بحكمة وتعقل.
يقول البعض إن إيران تستهدف دول المنطقة لتشتيت الانتباه، لتعويض اختلال موازين القوة لديها، وربما تأمل إيران وضع المنطقة – عبر هذه الضربات – في إعادة هيكلة موازين القوة، وتمنح نفسها فرصاً إضافية، ولو بشراء الوقت، حتى ما تثيره إيران في بعض وسائل الإعلام من حديث عن إجراءات انتقامية أو على سبيل الثأر وغيرها لا ينطلي على أحد نظراً لخلوه من أدنى معايير المنطق.
وكذلك الحال لما يتم الترويج له أحياناً أنها ضربات تأمل في تحييد دول المنطقة، وهي الدول نفسها التي مارست -وما زالت- أقصى درجات التعقل وضبط النفس والحكمة، والاعتراض الفعال للهجمات وحماية الأرواح والمنشآت، مع استمرار الحياة العادية.
تجدد المواجهة بين أمريكا وإيران، وتجدد الضربات الإيرانية المتهورة والتمادي في هذا العدوان منزوع المنطق، الخالي من أدنى درجات الحكمة يفاقم خسائر طهران، ليس اليوم وغداً فقط، ولكن على المدى المتوسط والبعيد في المنطقة كلها.
خسائر إيران تتفاقم، لا جراء الضربات العسكرية فقط، ولكن نتيجة تآكل الثقة، على الرغم من الاستراتيجية بالغة الذكاء والكفاءة المتبعة من قبل دول المنطقة منذ فبراير الماضي، بالتزام الدبلوماسية العملية ومحاولات الوساطة، بغرض التهدئة والوصول إلى حلول تحقن الدماء، وتقي الجميع شرور المواجهات الدامية، إلا أن إيران تتصرف في كل مرة وكأنها لا ترى أو تسمع ما يدور حولها من أجلها، ومن أجل المنطقة برمتها.
إعادة بناء ما تدمر من بنى تحتية مكلف لكن غير صعب، أما إعادة إيران بناء سمعة تلوثت وعلاقة اهتزت فهذا يحتاج إلى عقود من العمل، في حال توافرت نية الإصلاح أصلاً وإعادة البناء.
وحدة الرد، والموقف الموحد العاقل، والدفاع القوي الهادئ، والإمساك بعصا الدبلوماسية مع القدرة على الردع والرد سر السياسة الناجحة العاقلة في هوامش حرب بلا عقل.

 

مقال للكاتبة: أمينة خيري في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى