مقالات

وادي الوريعة.. معجزة الماء والصخر

د. موزة غباش

وادي الوريعة

 

 

مع أن العالم قد اعتاد أن يربط الصحراء بالجفاف، إلا أن وادي الوريعة يروي قصة مختلفة تماماً، فبين الجبال الصلبة وفي قلب الصخور التي تبدو عصية على الحياة، تنساب المياه منذ آلاف السنين لتنسج مشهداً يغير كثيراً من التصورات التقليدية عن طبيعة المكان.
وربما تكمن فرادة هذا الوادي أنه يقدم درساً بليغاً في قدرة الطبيعة على صناعة الحياة حين تتوافر لها شروط التوازن، ولذلك جاء إدراجه مؤخراً ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو تتويجاً لقيمة تتجاوز حدود الجغرافيا، لتصل إلى الذاكرة الإماراتية الإنسانية العميقة.

لقد اعتاد الإنسان عبر التاريخ أن يبني حضاراته حول مصادر المياه، لأن الماء كان دائماً نقطة البداية في تشكل المجتمعات واستقرارها، وفي وادي الوريعة يمكننا رؤية هذه الحقيقة بصورة لافتة، حيث إن شبكة العيون والجداول والشلالات صنعت بيئة استثنائية داخل واحدة من أكثر المناطق جفافاً في شبه الجزيرة العربية، ومع مرور الزمن أصبحت موطناً يحتضن الحياة النباتية والحيوانية، ويمنحها فرصة الاستمرار عبر قرون طويلة.
نعم، يمكننا فحص هذه الظاهرة الساحرة التي تبين وجود علاقة عميقة بين الجيولوجيا والحياة.. فقد أدت الصخور التي تبدو للوهلة الأولى كتلاً صامتة دوراً محورياً في حفظ المياه الجوفية وتنظيم حركتها داخل الجبال، حتى أصبح الوادي نموذجاً طبيعياً يدعو إلى التساؤل عن هذه المعجزة: كيف تتناغم وتتعاون عناصر الأرض في إنتاج منظومات بيئية متوازنة..
ولهذا يحظى الموقع باهتمام كبير لدى العلماء، لأن طبقاته الصخرية تحفظ صفحات نادرة من تاريخ كوكبنا، وتتيح قراءة تطور القشرة الأرضية بلغة الصخور نفسها.

من منظور اجتماعي يحمل الوادي معاني وصوراً متعددة، فالمكان الذي يوفر الماء يتحول بطبيعته إلى نقطة التقاء، ثم إلى فضاء للاستقرار، ثم إلى ذاكرة إنسانية تتراكم فيها الخبرات والثقافات، ولهذا ارتبط وادي الوريعة بحضور بشري ممتد عبر آلاف السنين.
وشهد قيام تجمعات بشرية قديمة، واحتضن طرقاً للتجارة، وترك الإنسان الإماراتي على صخوره نقوشاً ورسوماً ما زالت تروي جانباً من علاقته بالمكان.. وهكذا فإن لهذا الوادي، حسب تصوري، ذاكرة طبيعة تضم ذاكرة الإنسان، وكلها داخل مشهد واحد يصعب الفصل بين مكوناته.

الأنواع النادرة من الحيوانات والنباتات في الوادي تتحدث أيضاً عن استقرار نظام بيئي حافظ على توازنه عبر أزمنة طويلة.. وكل نوع يعيش في هذا المكان يضيف فصلاً جديداً إلى قصة الحياة التي كتبتها المياه بين الجبال، حتى أصبح الوادي واحداً من أهم المختبرات الطبيعية المفتوحة في المنطقة.
القيمة الحقيقية لقرار اليونسكو، في تسجيل الوريعة في قائمة التراث العالمي هو أن هذا التسجيل يأتي بمراجعات علمية دقيقة تبحث عن المواقع التي تحمل قيمة إنسانية استثنائية، وتقدم نموذجاً يستحق الحماية لصالح البشرية كلها..
وقد أثبت وادي الوريعة حضوره من خلال تكامل عناصره الطبيعية والجيولوجية والبيئية، ومن خلال قدرته على المحافظة على منظومته الحيوية وسط ظروف مناخية شديدة القسوة.

بالطبع، فإن هذا الإنجاز يوضح جانباً مهماً من رؤية دولة الإمارات في التعامل مع البيئة، فالاستدامة أصبحت ثقافة وطنية تمتد من التشريعات إلى البحث العلمي، ومن إدارة المحميات الطبيعية إلى بناء الوعي المجتمعي.
حيث تواصل الدولة، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ترسيخ هذا النهج عبر مبادرات تجمع بين التنمية وصون الموارد الطبيعية، حيث يؤمن صاحب السمو رئيس الدولة، بأن حماية الطبيعة جزء من مسؤولية الإنسان تجاه وطنه وتجاه الأجيال القادمة.

يفتح إدراج وادي الوريعة آفاقاً واسعة أمام البحث العلمي والسياحة البيئية والتعليم، لأن الموقع يمتلك القدرة على تحويل المعرفة النظرية إلى تجربة معيشة، فالطالب يرى الجيولوجيا أمامه، والباحث يقرأ تاريخ الأرض في تكويناتها الصخرية، والزائر يكتشف كيف يمكن للمياه أن تعيد تشكيل المكان عبر الزمن، بينما تتعرف الأجيال الجديدة إلى قيمة الثروة الطبيعية التي تمتلكها بلادها.
وتمنحنا قصة وادي الوريعة فرصة للتأمل في معنى أوسع للتراث، فأفق التراث يمتد عميقاً في المشاهد الطبيعية التي شاركت في تشكيل حياته، وأسهمت في بناء ذاكرته، ووفرت له أسباب الاستقرار والاستمرار، وعندما تحمي دولة الإمارات هذا الإرث الطبيعي فإنها تحافظ على صفحات من تاريخ الأرض، وعلى قصة إنسان عرف كيف يعيش في تناغم مع بيئته، ويحسن قراءة ما تمنحه الطبيعة من فرص للحياة.
وهكذا يغدو وادي الوريعة أكثر من محمية طبيعية، وأكثر من إنجاز دولي جديد، إنه شهادة حية على أن الماء يستطيع أن يكتب سيرته بين الصخور، وأن الطبيعة تحتفظ دائماً بقدرتها على إلهام الإنسان كلما أحسن فهمها، واحترام قوانينها، وحماية كنوزها للأجيال القادمة.

 

 

مقال للكاتبة: د. موزة غباش في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى