
في اللغة الاستراتيجية، يعني مفهوم «تفكيك مشروع الفوضى» الانتقال من مطاردة الأذرع إلى تفكيك العقل الذي يحركها، ومن احتواء النتائج إلى تعطيل المنظومة التي تصنعها. فحين تتكرر الأزمات بالأسلوب نفسه، وتظهر الجماعات المسلحة بالخطاب ذاته، وتُستخدم ساحات عربية متعددة ضمن مشروع واحد، يصبح السؤال مشروعاً: هل حان الوقت لمعالجة مركز إنتاج الفوضى بدلاً من الاكتفاء بمواجهة امتداداته؟
إن أخطر الأزمات هي تلك التي عندها القدرة على إعادة إنتاج نفسها كلما ظن العالم أنه احتواها. فحين تتغير الأسماء وتبقى الأدوات، وتتبدل الساحات ويستمر المنهج، يصبح الخلل أعمق من حادثة سياسية أو مواجهة عسكرية عابرة؛ إذ نكون أمام مشروع متكامل يُدير الفوضى، ويوظف الانقسام، ويحوّل هشاشة الدول إلى مساحة نفوذ.
على مدى عقود، تعامل المجتمع الدولي مع أذرع المشروع الإيراني باعتبارها ملفات منفصلة: جماعة في لبنان، ومليشيات في العراق، وشبكات مسلحة في سوريا، وأداة انقلاب وتهديد في اليمن. غير أن هذه الملفات، على اختلاف بيئاتها تنتمي إلى بنية واحدة تمويلاً وتدريباً وتسليحاً وتوجيهاً وخطاباً عقائدياً يضع الولاء للمشروع فوق الولاء للدولة.
ومن هنا، فإن «رأس الأفعى» ليس شعباً ولا حضارة ولا شخصاً بعينه، بل منظومة سياسية ترى أن النفوذ لا يتحقق عبر العلاقات المتكافئة، بل عبر اختراق الدول من الداخل، وبناء قوى موازية لمؤسساتها، وتحويل التوتر الطائفي والسياسي إلى وقود دائم للحضور الإقليمي.
منذ قيام نظام ولاية الفقيه عام 1979، لم يعد النفوذ الإيراني يتحرك ضمن القواعد التقليدية للعلاقات بين الدول، بل اتخذ مساراً أيديولوجياً عابراً للحدود، يقوم على تصدير الثورة، وبناء الولاءات الموازية، وتأسيس جماعات مسلحة ترتبط بالمركز السياسي والعقائدي خارج حدود الدولة الإيرانية. وبمرور الزمن، تحولت هذه الجماعات من أدوات ضغط مؤقتة إلى بنى دائمة داخل عدد من الدول، تنازع مؤسساتها القرار والسيادة والسلاح.
وهنا تكمن خطورة المشروع؛ فهو لا يكتفي بالتأثير في القرار السياسي، بل يعيد تشكيل مفهوم الدولة ذاتها. فالدولة الوطنية تقوم على وحدة المرجعية، واحتكار السلاح، وخضوع الجميع للقانون، في حين يقوم مشروع ولاية الفقيه على تعدد مراكز القوة، وتغليب الولاء العقائدي على الانتماء الوطني، وإبقاء بعض المجتمعات في حالة توتر تسمح باستمرار النفوذ الخارجي.
لقد دفعت المنطقة ثمناً بالغاً لهذه السياسة الإرهابية. دول أُنهكت، ومؤسسات تراجعت، واقتصادات استُنزفت، ومجتمعات انقسمت، وملايين البشر وجدوا أنفسهم أسرى صراعات لم يختاروها. وفي كل مرة كان يجري فيها احتواء ذراع، كانت المنظومة تعيد إنتاج ذراع أخرى، لأن المصدر بقي منتجاً، والتمويل مستمراً، والخطاب التعبوي فاعلاً.
هنا يظهر قصور المقاربات التقليدية، فالعقوبات الجزئية لا تكفي، والضربات المحدودة لا تنهي المشروع، والمفاوضات التي تتجاهل السلوك الإقليمي لا تعالج أصل المشكلة. فالمطلوب ليس تصعيداً غير محسوب، بل استراتيجية أشمل تقوم على تفكيك شبكة النفوذ، وملاحقة التمويل، وتجريم دعم الجماعات المسلحة، وحماية مؤسسات الدول الوطنية، واشتراط أي انفتاح دولي بتغيير فعلي في السلوك لا بمجرد وعود مؤقتة.
كما أن المواجهة الفكرية تتكامل مع المواجهة السياسية والأمنية، فالمشروع لا يستمر بالسلاح وحده، بل عبر خطاب يمنح التدخل الخارجي غطاءً عقائدياً، ويبرر تجاوز الحدود، ويُضعف رابطة المواطنة لأجل ولاءات عابرة للدولة الوطنية. ومن ثم، فإن قطع رأس الأفعى يبدأ بإسقاط هذا التبرير، وتعزيز الوعي الوطني، وتحصين المجتمعات من الخطابات التي تحول الدين إلى أداة صراع جيوسياسي.
وفي مقابل هذا النموذج، تقدم دولة الإمارات رؤية مختلفة للأمن والنفوذ؛ رؤية تقوم على بناء الدولة، وتمكين الإنسان، واحترام السيادة، وتغليب الدبلوماسية، مع جاهزية كاملة لحماية الأمن الوطني والإقليمي، فالسلام في الرؤية الإماراتية ليس ضعفاً، والحوار ليس تنازلاً، كما أن الحزم لا يعني الاندفاع إلى الحرب. بل إن القوة الحقيقية تكمن في الجمع بين الردع والحكمة، وبين الانفتاح وحماية الثوابت.
إن السؤال اليوم ليس ما إذا كانت المنطقة قادرة على مواجهة ذراع أخرى، بل ما إذا كانت مستعدة لوقف الآلة التي تصنع الأذرع. وهذا هو المعنى الحقيقي لقطع رأس الأفعى: تفكيك المشروع وتعطيله، وتجفيف المنابع لا الانجرار إلى الفوضى، وإعادة السيادة للدول لا استبدال فوضى بأخرى.
لقد حان الوقت للانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الوقاية الاستراتيجية، ومن إدارة الأزمات إلى منع إنتاجها. فالمنطقة لن تستقر ما دامت هناك منظومة تعتقد أن قوتها تنمو من ضعف جيرانها. وعندما يُغلق باب المليشيات، ويُمنع السلاح الموازي، ويُعاد الاعتبار للدولة الوطنية، عندها فقط تكون الأفعى قد فقدت رأسها؛ لا بالانتقام، بل بإبطال قدرتها على بث السم وإعادة إنتاج الفوضى.
الكاتب. فيصل الشامسي من صحيفة البيان.



