
إذا كانت المدن تُبنى بالحجر والإسمنت، فإن المستقبل يُبنى بالعقول.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس كيف حققت دبي ما حققته؟ بل كيف يمكن للأجيال القادمة أن تواصل هذه المسيرة؟
إن أعظم إنجاز تحققه أي مدينة ليس في مشاريعها ولا في مبانيها، بل في قدرتها على نقل فلسفتها إلى أبنائها، وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمبادرة Dubai-it.
فالمبادرة لا تهدف إلى توثيق قصة نجاح دبي فقط، بل إلى نقل العقلية التي صنعت هذا النجاح.
عقلية ترى الفرصة حيث يرى الآخرون التحدي.
وتبحث عن الحلول بدلاً من الأعذار.
وتقيس النجاح بالأثر لا بالجهد المبذول.
لقد نجحت دبي خلال العقود الماضية في بناء نموذج تنموي فريد، لكن التحدي الأكبر اليوم ليس المحافظة على هذا النموذج، بل ضمان استمراره من خلال الأجيال القادمة.
ومن هنا يأتي الدور المحوري للتعليم، ففي الماضي كان التعليم يركز على نقل المعرفة، أما اليوم فإن المعرفة أصبحت متاحة للجميع تقريباً، وأصبح التحدي الحقيقي يتمثل في بناء طريقة التفكير، كيف نُعد شاباً قادراً على التكيف مع عالم متغير؟ كيف نُعد خريجاً لا ينتظر الفرص بل يصنعها؟ كيف نُعد جيلاً يرى في الذكاء الاصطناعي أداة للتمكين لا تهديداً للمستقبل؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تشغل مؤسسات التعليم اليوم.
ولعل رؤية سيدي سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الرئيس الأعلى لجامعة حمدان بن محمد الذكية، تقدم نموذجاً واضحاً في هذا المجال.
فقد أكد سموه في أكثر من مناسبة أن مستقبل الدولة يعتمد على إعداد أجيال تمتلك مهارات المستقبل وروح المبادرة والقدرة على الابتكار.
ومن هذا المنطلق لم يعد هدف الجامعة تخريج باحثين عن وظائف، بل إعداد صناع فرص، أفراد قادرين على تحويل المعرفة إلى قيمة والأفكار إلى مشاريع والتحديات إلى إنجازات.
إن جوهر Dubai-it لا يكمن في ما حققته دبي خلال العقود الماضية فقط، بل في قدرتها على بناء جيل يحمل الروح نفسها، جيل يؤمن أن الإنجاز خيار وأن الطموح مسؤولية وأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.
وفي تقديري فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة ليس في البنية التحتية أو التكنولوجيا أو الموارد الطبيعية بل في بناء إنسان يمتلك طريقة التفكير التي تمكنه من تحويل كل ذلك إلى أثر، وهذا بالضبط ما تمثله Dubai-it.
فهي ليست قصة مدينة، بل قصة عقلية، وعندما تنجح هذه العقلية في الانتقال إلى الأجيال القادمة فإن المستقبل يصبح أكثر أمناً، وأكثر ازدهاراً، وأكثر قدرة على تحقيق المستحيل.
مقال للكاتب: د. منصور العور في صحيفة البيان.



