دبي

مطر الطاير: دبي ترسخ نموذج المدينة القادرة على استيعاب النمو السريع وتحويله إلى جودة حياة مستدامة

دبي في 3 فبراير 2026

أكد معالي مطر الطاير، المدير العام ورئيس مجلس المديرين في هيئة الطرق والمواصلات بدبي، أن المدن العالمية تمر اليوم بمرحلة غير مسبوقة من التسارع الشامل على مختلف المستويات من حيث النموّ والتكنولوجيا وتوقعات الناس والتحديات البيئية، وهو ما يفرض على الحكومات إعادة تعريف أدوارها وأدواتها في قيادة التحولات الكبرى، والانتقال من دور المشغّل إلى دور المُمكّن والمُنظّم، مع تمكين القطاع الخاص، لقيادة الابتكار ضمن شراكات واضحة، بما يضمن استدامة النمو، وجودة الحياة للأجيال القادمة.

جاء ذلك خلال جلسة حوارية رئيسة ضمن أعمال القّمة العالمية للحكومات 2026، أدارتها الإعلامية مينا العريبي، بحضور نخبة من صناع القرار وقادة الحكومات وممثلي المؤسسات الدولية والقطاع الخاص، حيث تناولت الجلسة دور الحكومات في قيادة التحولات الحضرية، ومستقبل التنقل، وأهمية الشراكات في بناء مدن قادرة على الصمود، والتكيف مع المتغيرات المتسارعة.

وقال معالي مطر الطاير: خلال الدورة السابقة للقمة، وقّعنا بحضور سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، مذكرة تفاهم مع شركة The Boring Company لدراسة تنفيذ مشروع “دبي لوب”، واليوم انتقل المشروع من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ بدعم من القيادة الرشيدة، وقريباً سنراه على أرض الواقع ليشكّل إضافة نوعية لمنظومة النقل في الإمارة، مؤكداً أن المشروع يمثل نقلة نوعية في حلول التنقل في الميل الأول والأخير، حيث نهدف من خلاله إلى تطبيق حلول مبتكرة لتلك المنظومة.

وأكد معاليه أن توصيف المرحلة الراهنة التي تعيشها المدن العالمية يمكن اختصاره في “عصر التسارع الحضري”، موضحاً أنه يشمل النمو السكاني، والتطور التكنولوجي المتلاحق، وارتفاع توقعات السكان، إلى جانب تصاعد التحديات البيئية، مشيراً إلى أن أكثر من 55% من سكان العالم يعيشون اليوم في المدن، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة إلى 70% بحلول عام 2050، وهو ما يعني ضغوطاً متزايدة على البنية التحتية والخدمات الحضرية.

وقال معاليه: في دبي، بلغ معدل النمو السكاني نحو 7% سنوياً، مع اقتراب عدد السكان خلال ساعات النهار من تجاوز 6 ملايين نسمة، بالتزامن مع نمو متواصل في أعداد السياح الدوليين، حيث استقبلت الإمارة خلال العام الماضي أكثر من 17 مليون سائح دولي بزيادة 5% على العام 2024.

وأضاف الطاير: المتغيرات الجيوسياسية العالمية أسهمت في تعزيز جاذبية دبي مكاناً للعيش والاستقرار، إلى جانب ما تتمتع به الإمارة من مستويات عالية من جودة الحياة والأمن والاستقرار، مؤكداً أن رؤية دبي بقيادة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي “رعاه الله”، ترتكز على التحوّل نحو منظومة تنقُّل تضع الإنسان في قلب التخطيط، بهدف تقليل الزمن والانبعاثات، وتحسين جودة الحياة، بحيث تتحوّل من مدينة للمركبات، إلى مدينة للإنسان.

وأوضح معاليه أن جاذبية دبي انعكست كذلك في مؤشرات نوعية، تؤكد ثقة أصحاب الثروات ورجال الأعمال في البيئة الاقتصادية والاجتماعية، التي توفرها الإمارة، مشيراً إلى أن عدد المركبات الفارهة المسجلة في دبي بلغ نحو 170 مركبة، بينما وصلت القيمة التراكمية للوحات الأرقام المميزة خلال السنوات الثلاث الماضية إلى نحو 1.7 مليار درهم، وهو ما يؤكد مكانة دبي وجهةً عالميةً مفضلةً للعيش والاستثمار.

وأكد أن هذه المؤشرات، إلى جانب النمو السكاني المتسارع، وزيادة أعداد الزوار، تمثل ضغطاً مباشراً على منظومة البنية التحتية وجودة الحياة، وهو ما يستدعي حلولاً مبتكرة واستثمارات مستدامة، توازن بين استيعاب النمو والمحافظة على كفاءة الخدمات، في الوقت الذي يُعيد فيه الذكاء الاصطناعي تعريف طريقة تصميم الخدمات وسرعة اتخاذ القرار.

وأشار معالي مطر الطاير إلى أن التحديات البيئية باتت أحد أبرز الملفات التي تواجه المدن، في ظل كون المدن مسؤولة عن أكثر من 70% من الانبعاثات الكربونية عالمياً، وهو ما يفرض على الحكومات تبنّي حلول نقل مستدامة تقلّل الاعتماد على المركبات الخاصة.

كما لفت إلى أن توقعات المتعاملين اليوم في ارتفاع مستمر، لا سيما فئة الشباب، الذين يقارنون الخدمات الحكومية بأفضل الممارسات الرقمية العالمية، ولا يقبلون بأقل من خدمة متكاملة وسلسة.

وتساءل معالي مطر الطاير: هل الحكومات قادرة على مواجهة هذه التحديات منفردة؟ مؤكداً أن الإجابة بوضوح هي “لا”، وأن المرحلة المقبلة تتطلب انتقال الحكومات من دور المشغِّل إلى دور المُمكّن والمنظم، مع تمكين القطاع الخاص من قيادة الابتكار ضمن شراكات واضحة الأهداف والمعايير، وهو ما أكدته مُخرجات المنتدى الاقتصادي العالمي 2026، حول أهمية تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، خصوصاً في التكنولوجيا والاقتصاد الحضري.

وأشار إلى أن دبي هي مدينة تحويل التحديات إلى فرص، إذ تبنت هذا النهج مبكراً من خلال تطوير أُطر تشريعية وتنظيمية مرنة، من أبرزها قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، الذي وفّر إطاراً تنظيمياً واضحاً، وسرّع اتخاذ القرار، وضمن أعلى معايير الحوكمة، بجانب دوره في تمكين القطاع الخاص.

وأضاف: قانون إنشاء هيئة الطرق والمواصلات أسهم في إتاحة التحول التجاري وإنشاء شركات متخصصة، وهو ما انعكس إيجاباً على تطوير الخدمات، ورفع كفاءة التشغيل، وتحسين خدمة المتعاملين.

وقال معاليه: لدينا اليوم أربع شركات منبثقة عن الهيئة بقيمة سوقية تقارب 80 مليار درهم، وهي: سالك لإدارة التعرفة المرورية، وباركن لإدارة المواقف العامة، ومدى ميديا لإدارة المساحات الإعلانية الخارجية، وتاكسي دبي لتقديم خدمات مركبات الأجرة، مؤكداً أن تلك الشركات أسهمت في تطوير بعض خدمات هيئة الطرق والمواصلات خلال الأعوام القليلة الماضية.

وأوضح معالي مطر الطاير، أن دبي حرصت على بناء شراكات إستراتيجية عالمية في مجالات التنقل الذكي والمستدام، مؤكداً أن اختيار الشركاء يكون وفق معايير دقيقة تشمل السلامة، والنضج التقني القابل للتوسع، والجاهزية التشغيلية، وحوكمة البيانات، والتكامل مع منظومة النقل.

واستعرض معاليه جانباً من قصص النجاح في قطاع الشراكات، قائلا: إن إنشـاء شركة هلا تاكسي بالشراكة مع كريم، التي طوّرت إدارة طلب مركبات الأجرة، أسهم في تخفيض زمن الانتظار من 11 دقيقة إلى 3 دقائق، بما يُظهر الأثر المباشر للشراكة الفعّالة بين القطاعين العام والخاص.

وأضاف: لو نظرنا كذلك إلى شركة أوبر فـي بداياتها، سنتذكّر أنها واجهت مقاومة من حكومات العالم لتأثيرها في قطاع مركبات الأجرة، لكن في دبي كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم “رعاه الله”، له رؤية مختلفة، حيث أصرّ سموّه على توفير إطار تنظيمي لشركات الحجز الإلكتروني لمركبات الأجرة والليموزين، واليوم تتصدر دبي قطاع التنقل الذكي والمستدام بفضل هذه الرؤية الحكيمة، لأننا استطعنا بتوجيهات ومتابعة القيادة الرشيدة، إقامة شراكات استراتيجية عالمية لتطوير حلول التنقل المستدام”.

وأضاف: اليوم نفخر بشراكاتنا الإستراتيجية مع شركات عالمية، ففي مجال التاكسي الجوي لدينا شراكات مع جوبي وسكاي بورتس، إضافة إلى شراكات فـي مجال مركبات الأجرة ذاتية القيادة مع بايدو، وPony AI، وأوبر، وWe Ride، ومن خلال هذه الشراكات نتجه فـي دبـي، إلى الانتقال من مدينة تركّز على المركبات إلى مدينة تركّز على الإنسان.

وأكد معالي مطر الطاير أن التوسع المستمر في شبكة الطرق، مهما بلغ حجمه، لن يكون حلاً كافياً لمعالجة تحديات الازدحام، في ظل النمو المُتسارع في أعداد المركبات، موضحاً أن معدل الزيادة السنوية في عدد المركبات المسجلة في دبي يبلغ نحو 10%، مقارنة بمعدلات تتراوح بين 2 و3% على المستوى العالمي.

وأوضح أن هذه المعطيات تفرض ضرورة التركيز على إدارة الطلب على التنقل، من خلال توفير منظومة نقل جماعي حديثة ومريحة تشجّع السكان على التحول من استخدام المركبات الخاصة إلى وسائل النقل الجماعي الأكثر كفاءة واستدامة، مضيفاً أن الشراكات العالمية التي تقيمها دبي تنطلق من رؤية واضحة وسرعة في اتخاذ القرار ودعم مباشر من القيادة، وهو ما يدفع الشركات العالمية لاختيار دبي شريكاً مُفضّلاً لتجربة حلول التنقل المستقبلية وتطويرها.

وتناول معالي مطر الطاير العوامل الرئيسة التي أسهمت في تحويل رؤية دبي إلى واقع عملي، موضحاً أن نجاح الإمارة ارتكز على ثلاثة عناصر أساسية هي: الاستثمار الجريء، والقرار الحاسم، والتنفيذ الصارم، لاسيما أن البنية التحتية تُعد مُحرّكاً رئيساً للاقتصاد.

وأشار إلى أن حكومة دبي استثمرت نحو 175 مليار درهم في قطاع الطرق والمواصلات على مدار العشرين عاماً الماضية، وهو ما أسهم في تحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية ملموسة، شملت وفراً في تكاليف الوقت والوقود بلغ نحو 320 مليار درهم، ومساهمة تزيد على 156 مليار درهم في الناتج المحلي الإجمالي للإمارة، إلى جانب استثمار إضافي مباشر يزيد على 32 مليار درهم في الخدمات اللوجستية والتوزيع؛ إضافة إلى خفض وفيات الحوادث المرورية من 22 إلى 1.8 وفاة لكل 100 ألف من السكان.

وحدد ثلاثة عوامل أسهمت في تحويل دبـي إلى نموذج عالمي وهي: الاستثمار المبكر قبل اكتمال الطلب، والتخطيط الاستباقي طويل المدى، فضلاً عن إقامة شراكات عالمية فاعلة.

وأكد معاليه أن دبي تبنت منهجية واضحة في الانتقال من المشاريع التجريبية إلى التوسع الفعلي، تقوم على مبدأ “التجربة ثم التنظيم ثم التشغيل”، مع وضع معايير صارمة تشمل الجاهزية التقنية والتنظيمية والتشغيلية، إلى جانب معايير السلامة.

وأشار إلى أن هذه المنهجية مكّنت دبي من الانتقال الفعلي إلى تشغيل حلول متقدمة، حيث بدأت الحافلات ذاتية القيادة بتجارب محدودة وتوسعت وفق ضوابط دقيقة، وتحوّل النقل حسب الطلب من مجرد تطبيق تجريبي إلى خدمة يومية يعتمد عليها الناس، كاشفاً عن الاستعداد لإطلاق التاكسي الجوي رسمياً بنهاية العام الجاري 2026 ضمن إطار تشريعي هو الأول عالمياً، فيما ستنطلق مركبات الأجرة ذاتية القيـادة بشكل رسمي قريباً على طرق الإمـارة خلال الربع الأول من العام الجاري 2026، مشدداً على أن الحوكمة هي الأداة التي تضمن لنا سرعة التطبيق، لكن دون أي مخاطرة بالسلامة العامة.

وفي حديثه عن التنقل ذاتي القيادة، أكد معالي مطر الطاير أن سر نجاح دبي في هذا المجال لم يكن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في وضوح القرار، مشيراً إلى أن الإمارة وضعت عام 2016 هدفاً استراتيجياً يتمثل في أن تكون 25% من إجمالي وسائل التنقل ذاتية القيادة بحلول عام 2030، لما لذلك من آثار اقتصادية وبيئية واجتماعية إيجابية، يأتي في مقدمتها تقليل الحوادث المرورية بنسبة تصل إلى 90%، وخفض التكاليف المرتبطة بالنقل، وتقليل الانبعاثات، وتحسين كفاءة استخدام الطرق.

وأشار إلى أن إستراتيجية الهيئة بشأن التنقُّل الذاتي قامت على أربعة مسارات متكاملة هي المركبات ذاتية القيادة، والحافلات ذاتية القيادة، والعبرة ذاتية القيادة، والتاكسي الجوي، مؤكداً أن نجاح المدن اليوم لا يقاس بعدد الاختبارات التي تجريها، بل بقدرتها على الانتقال إلى التشغيل الفعلي الآمن والقابل للتوسع، وهذا ما حققناه فـي دبـي على أرض الواقع.

وذكر أن التحالفات في مجال التنقل الذكي ليست خياراً، بل ضرورة، موضحاً أن اختيار الشركاء يحدث وفق مجموعة من المعايير تشمل السلامة أولاً، والنضج التقني القابل للتوسع، والجاهزية التشغيلية، وحوكمة البيانات الصارمة، والتكامل مع منظومة النقل.

وأضاف: هناك شرطٌ جوهريٌ نضعه دائماً عند عقد أي شراكة، يتمثل في تحقيق الأثر المحلي، من خلال التعاون مع الشركات العالمية الريادية التي تتمتع بإمكانات عالية لدعم بناء واستدامة القدرات المحلية، لافتاً إلى أن الشراكات في مشاريع كبرى مثل مترو دبي، والتاكسي الجوي، والمركبات ذاتية القيادة، ومراكز التحكم الذكية، أثمرت بناء منظومات إدارية وكوادر وطنية متخصصة قادرة على إدارة هذه المنظومات المعقدة، باعتبار ذلك الضمان الحقيقي للاستدامة.

وفي ختام حديثه، شدد معالي مطر الطاير على أن دبي لا تنتظر التكنولوجيا، بل تصنع البيئة التي تنجح فيها بفضل رؤية قيادتنا الواضحة، مؤكداً أن القمة العالمية للحكومات شكّلت ولا تزال منصة انطلاق لأهم المشاريع الإستراتيجية، وأن أبواب دبي مفتوحة أمام الشراكات العالمية والأفكار المبتكرة التي تعزز جودة الحياة، وترسخ مكانة الإمارة، أفضلَ مدينةٍ للعيش في العالم. وام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى