مقالات
اقتصاد العقول وبناء المستقبل
د. عبدالله الخياطتؤدي المنظومة التعليمية وجامعات المستقبل دوراً محورياً في بناء اقتصاد الدول، من خلال التحول من الاقتصاد القائم على الموارد التقليدية إلى اقتصاد المعرفة المستدام، في عصر لم تُعد فيه المعرفة خياراً تكميلياً للريادة في عالم متنافس، بل غدت ركيزة يُعاد من خلالها تشكيل مفهوم القوة والتطوّر، ليصبح اقتصاد المستقبل رهناً لما تختزنه العقول من أفكار أكثر مما تختزنه الأرض من موارد.
وتميّزت الإمارات العربية المتحدة باستشراف ذلك المستقبل في الوقت المناسب، الأمر الذي منحها فرصة تطبيق نموذج عالمي رائد من خلال وضع رؤية وطنية شاملة تهدف إلى تعزيز الابتكار والبحث العلمي، وجعل المعرفة محركاً أساسياً للنمو.
وبرزت الجهود الاستراتيجية في استحداث وتطوير مؤسسات أكاديمية قادرة على توجيه سوق العمل من خلال طرح مساقات تخصصية تواكب متطلبات العصر، فالتكامل الواضح للمتأملين في المشهد التعليمي بين الصروح العلمية في الإمارات يدفعنا للاعتقاد بأنها عملية ممنهجة لخلق تكامل فاعل بين الجامعات المحلية والعالمية على أرض الإمارات.
فبينما تركز جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا على البحث العلمي المتقدم والابتكار، وتضع ضمن أهدافها الاستراتيجية دعم نمو اقتصاد المعرفة، تبرز جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كأول جامعة من نوعها عالمياً، تقود قطاع التكنولوجيا المتقدمة من خلال تخريج كوادر متخصصة، في تكامل استراتيجي يعزز التحول الوطني لاقتصاد المعرفة.
ومن الجانب الآخر، ترسي جامعة حمدان بن محمد الذكية دعائم التعلم الذكي والابتكار في إدارة الجودة والتكنولوجيا، لتشكل رافداً أساسياً لسوق العمل بمهارات رقمية وعلمية حديثة، من خلال إدراج أنماط غير تقليدية للتعليم مصممة لتناسب أسلوب الحياة السريع ولتواكب سوق العمل الإماراتي ذا الوتيرة المتسارعة والمتغيرة.
وأتت مراكز البحوث المتخصصة مثل «مركز بحوث المواد»، الذي يهدف إلى تشكيل مجتمع من الباحثين والمتخصصين للمساهمة في تنويع موارد الاقتصاد الوطني بعيداً عن النفط، من خلال الابتكار في علم المواد والهندسة، ودعم الملكية الفكرية، اللذين بادرت بهما الجامعة الأمريكية في الشارقة وجامعة الشارقة لدعم وتعزيز انتشار هذا الفكر على مستوى الدولة.
وحتى يتخطى النموذج الإماراتي حدود التنظير العلمي ليدخل حيز التنفيذ العملي من خلال مسار واضح للعيان، تأتي مؤسسة دبي للمستقبل بوصفها منصة تربط بين الفكر المبتكر والتطبيق العملي، من خلال ابتكار مبادرات تقدم حلولاً عملية وواقعية مثل «مسرعات دبي للمستقبل»، التي تُعد مختبرات ميدانية بطابع مرن يستثمر كل ما سبق لخلق مشاريع طموحة تنقلنا للمستقبل في 90 يوماً، وهي مؤشر أداء المشاريع التي يجب أن تُنجز خلال تلك المدة.
حيث يبرز دورها في خلق بيئة تجريبية تجمع بين الشركات الناشئة والجهات الحكومية لابتكار حلول تقنية، ما يدعم ريادة الأعمال ويخلق فرص عمل نوعية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وعلوم المستقبل.
وإيماناً بأهمية استمرارية الدعم الحكومي لاستكمال دورة التحوّل، تجسدت منظومة دعم ريادة الأعمال من خلال مؤسسات مثل «صندوق خليفة لتطوير المشاريع»، و«مؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة».
حيث برزت نماذج لرواد أعمال ومخترعين شباب استطاعوا تحويل أفكارهم العلمية إلى مشاريع قائمة على الابتكار، ما يعكس حيوية البيئة الحاضنة التي توفرها الدولة.
إن رهان دولة الإمارات على اقتصاد المعرفة هو استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري. ومن خلال التكامل بين التعليم الأكاديمي المتطور، والبيئة التشريعية الداعمة للابتكار، والمبادرات الحكومية الطموحة، نجحت الدولة في بناء اقتصاد مرن وقادر على المنافسة عالمياً، ما يضمن مستقبلاً مستداماً للأجيال القادمة.
مقال للكاتب: د. عبدالله الخياط في صحيفة البيان.



