هيئة أبوظبي للتراث تصدر ديوان «إلا قليلاً» للشاعر مستور الذويبي
أصدرت أكاديمية الشعر التابعة لهيئة أبوظبي للتراث ديوانًا شعريًا جديدًا للشاعر السعودي مستور بن صالح الذويبي بعنوان «إلا قليلاً»، ويأتي هذا الديوان ضمن سلسلة إصدارات الأكاديمية التي تُعنى بتوثيق ونشر تجارب الشعر النبطي في المنطقة، في إطار جهودها المتواصلة لصون الموروث الثقافي وتعزيز حضوره.
ويضم الديوان الجديد 63 قصيدة تمثل خلاصة تجربة إبداعية تراكمت عبر سنوات من الكتابة والمشاركة في الأمسيات والفعاليات الأدبية، وتتميّز نصوصه بتنوّع موضوعاتها وتكامل بنيتها الفنية، حيث تجمع بين الغزل والتأمل والتجارب الإنسانية، في صياغة شعرية تنبض بلغة سلسة قريبة من المتلقي، مدعومة بصور مستلهمة من البيئة المحلية وعناصرها الحسية، ما يمنح النصوص هوية واضحة وعمقًا دلاليًا. كما يتجلى في الديوان إيقاع شعري عذب يعزّز حضوره الشفاهي، إلى جانب بُعد سردي يمنح بعض القصائد مسارًا حكائيًا مشوّقًا، في تجربة شعرية ناضجة تمزج بين صدق العاطفة وجمال التعبير وتنوّع الأغراض.
ويكشف الديوان عن صوتٍ شعري يكتب من قلب التجربة الإنسانية اليومية، ويتنقل بين الحنين والحب والخذلان والتأمل في الحياة والناس والوطن، مع حضور واضح لعفوية التعبير وصدق الشعور بعيدًا عن التكلّف البلاغي، وهو ما منح النصوص قربًا من المتلقي وقدرة على ملامسة وجدانه بسهولة. ففي قصائد مثل «زمان الطين» و«وطن» و«أحبك موت إلّا قليلا» تحضر القيم الإنسانية والوفاء والاعتزاز بالماضي بوصفها ثيمات متكررة تمنح الديوان هويته الخاصة، بينما يضفي استدعاء مفردات البيئة الشعبية والحياة البسيطة روحًا تراثية دافئة تعكس ارتباط الشاعر بمحيطه الاجتماعي والوجداني.
كما تتعمق ملامح التجربة في النصوص التي تتكئ على ثيمة الغياب والانكسار الإنساني، كما في قصائد «الشمس غابت» و«الغياب» و«بقايا ليل» و«اكتئاب»، حيث يتحول الحزن إلى مشاهد شعورية نابضة تتداخل فيها مفردات الليل والسهر والذكرى والانتظار، ضمن لغة مشحونة بالعاطفة وصور قريبة من الروح. وتبرز في هذه النصوص نزعة تأملية تمتزج فيها الحكمة بالحزن دون أن تفقد القصيدة بساطتها وعفويتها، ما يمنح الديوان قدرة على ملامسة التجارب الإنسانية المشتركة، ويجعل القارئ يشعر أن هذه القصائد كُتبت من داخل الحياة لا من خارجها، بلغة تنبض بالصدق وتقترب من نبض الناس وهمومهم اليومية.
ولا يقتصر الديوان على البعد العاطفي فحسب، بل يمتد إلى مساحة إنسانية واجتماعية أرحب، تتجلى في قصائد مثل «ولعة الشيح» و«عدّاد الأنفاس» و«نزف السنين لعَرقنا»، حيث يحتفي الشاعر بالوفاء والرجولة والأصدقاء والذكريات الجميلة، مستحضرًا قيم المحبة والتقدير والاعتزاز بمن تركوا أثرًا في الحياة. كما تتجلى قدرة الشاعر على الانتقال بين اللهجة الحميمية والنبرة التأملية دون افتعال، مستندًا إلى صور بسيطة لكنها عميقة الدلالة، وإيقاع هادئ يمنح النصوص سلاسة وعذوبة، ما يؤكد أن الشعر لدى الذويبي ليس مجرد مساحة للبوح، بل وسيلة لحفظ الودّ واستعادة اللحظات النبيلة وتوثيق المشاعر الصادقة بلغة قريبة من القلب والذاكرة.
ويُعد الذويبي من الأسماء التي برزت في ساحة الشعر النبطي، إذ سبق له المشاركة في برنامج «شاعر المليون» في موسمه السادس، محققًا المركز الثالث، كما أسهم في تحكيم عدد من المسابقات الشعرية، وشارك في العديد من الفعاليات الثقافية داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، ما عزز من حضوره في المشهد الشعري.
ويأتي هذا الإصدار في سياق جهود هيئة أبوظبي للتراث في دعم حركة النشر الشعري، وإتاحة المنجزات الإبداعية لجمهور القراء والمهتمين، ضمن رؤيتها الهادفة إلى الحفاظ على الموروث الأدبي وتعزيز استدامته، خاصة في مجال الشعر النبطي بوصفه أحد مكونات التراث الثقافي غير المادي. كما تواصل الهيئة اهتمامها برعاية الطاقات الشعرية الجديدة، عبر نشر دواوين الشعراء الشباب، لا سيما المشاركين في البرامج الشعرية مثل «شاعر المليون» وغيرها من المسابقات، بما يسهم في توثيق تجاربهم الإبداعية وتعزيز انتشارها، ويضمن استمرارية هذا اللون الأدبي وحضوره المتجدد في المشهد الثقافي.



