تقرير الوكالة الوطنية للإعلام ضمن ملف النشرة الصحية لوكالات الأنباء العربية “فانا”
فرضت ظروف الحرب القاسية أجندة مثقلة بتحديات الطوارئ على وزارة الصحة العامة في لبنان، للمرة الثانية في أقل من سنتين.
إذ لم تكد الوزارة تبدأ بتنفيذ خطط متوسطة وطويلة الأجل لاستنهاض النظام الصحي بعد مواجهات إسناد غزة وتطورها إلى حرب الستة وستين يومًا عام 2024، حتى تجددت الحرب بعنف أكبر ولمدة لا تزال مفتوحة منذ مارس 2026، فبرزت تحديات متعاظمة تطلبت على المدى القصير والفوري مواجهة مضاعفة، خصوصًا أن سمة أساسية من سمات العدوان تمثلت باستهداف مباشر ومنهجي للقطاع الصحي والإسعافي الذي تكبّد خسائر باهظة في الأرواح والمباني الواقعة في مناطق النزاع، ورغم الأخطار الإستثنائية والمؤكدة واصل العاملون الصحيون أداء الواجب الإنساني بشجاعة ومهنية وتفان لا يتزعزع في التزام يجسد القيم النبيلة التي لطالما دافع عنها المجتمع الدولي.
ويختصر وزير الصحة العامة اللبناني الدكتور ركان ناصر الدين الوضع بالقول: إن الحمل الكبير والنظام الصحي في لبنان يرزح تحت ضغوط هائلة، فقد نزح أكثر من ربع الأهالي، وتجاوز الطلب على الرعاية الصحية القدرة الإستيعابية للنظام الصحي، فالجرحى والمرضى المزمنون والأمهات والأطفال وكبار السن، جميعهم بحاجة لاستمرارية الخدمات الصحية الأساسية، ولبنان الذي يرزح تحت وطأة المعاناة، ملتزم بالصمود، ونحن ملتزمون القيام بواجبنا الوطني من خلال السعي المستمر لتأمين كل الخدمات الصحية لأهلنا بعيدا عن السياسة، إنما في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية فإن الصمود وحده لا يكفي من دون تضامن دولي، وذلك إنطلاقًا من القناعة أن “الصحة ليست هدفًا فحسب، بل ينبغي أن تكون جسرًا نحو السلام والكرامة والإنسانية”.
بالفعل، تعددت مسارات استجابة وزارة الصحة العامة للأزمة على أكثر من مستوى، بدءًا من رفع الصوت أمام المجتمع الدولي لتسليط الضوء على ما يتعرض له النظام الصحي بمؤسساته وعامليه الصحيين من استهداف مباشر يجافي القانون الدولي الإنساني وينقض الأعراف والقرارات الدولية، إلى تعزيز صمود القطاع الصحي في مناطق النزاع وتقديم الدعم لهذا القطاع في مناطق استضافة النازحين وإيوائهم في موازاة الإستمرار بخطط تطوير النظام الصحي على المديين المتوسط والبعيد.
وتعكس الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة العامة حتى إعداد هذا التقرير مشهدًا صحيًا صادمًا وثقيلا:
– يقارب عدد الشهداء 3600 علما أن التوقعات تشير إلى أن العدد أكبر بكثير نتيجة توسع نطاق العمليات العسكرية التي ينفذها جيش الإحتلال الإسرائيلي.
– 20 % من الضحايا من النساء والأطفال.
– يكاد عدد الجرحى يبلغ 11 ألف مع ما يعنيه ذلك من حاجات خاصة جراحية واستشفائية وعلاجية وضرورة تأمين المتابعة المستمرة للعدد الأكبر من هؤلاء.
– في القطاع الصحي: فقد 129 من العاملين الصحيين حياتهم خلال أدائهم عملهم وجرح 379، تم استهداف 164 سيارة إسعاف، فيما تعرض 17 مستشفى لأضرار جزئية أو كلية، اضطرت 3 مستشفيات للإغلاق التام، أُجبر 45 مركزًا للرعاية الصحية الأولية على الإغلاق.
– ارتفع عدد النازحين إلى أكثر من مليون وأربعمئة ألف شخص.
(قرار الصحة العالمية لحماية القطاع الصحي من الاعتداءات)
وفي خضم الحرب المتواصلة، نجحت وزارة الصحة العامة في استصدار قرار عن جمعية الصحة العالمية في دورتها الـ79 في جنيف بغالبية 95 صوتًا، أكد حماية الرعاية الصحية في لبنان واقتصرت المعارضة على صوتين فقط لكل من إسرائيل والهندوراس.
وشكل هذا القرار محطة مفصلية في خضم الإعتداءات الإسرائيلية المركزة على القطاع الصحي، صحيح أنه لم يمنع استمرار هذه الإعتداءات لا بل تكثيفها بشكل ملحوظ، إلا أنه بات وثيقة بيد لبنان لمحاسبة إسرائيل على ما ترتكبه من جرائم لا تنتفي مع مرور الزمن.
وأورد القرار أن الهجمات التي تعرّض لها القطاع الصحي شكلت انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي، الذي ينص بوضوح على حماية العاملين الصحيين والمرافق الطبية والمرضى ووسائل النقل الطبي في جميع الأوقات.
وإذ دعا القرار إلى “حماية الرعاية الصحية وتوفير دعم مستدام للنظام الصحي العام في لبنان”، أكد في إدانة واضحة للإعتداءات الإسرائيلية، أن الوضع القائم “لا يشكل مصدر قلق وطني للبنان فحسب، بل يذكّر أيضًا بأهمية حماية الرعاية الصحية في أوقات النزاع، والتمسك بمبادئ الحق في الصحة للجميع والقانون الإنساني الدولي.
وكانت وزارة الصحة العامة قد باشرت منذ تجدد توسع العدوان في الثاني من مارس الماضي تطبيق خطة طوارئ خاصة بالحرب، بهدف ضمان خدمات الطوارئ والإستشفاء للنازحين واللبنانيين غير المضمونين، فأقر الوزير الدكتور ركان ناصر الدين تغطية طبابتهم واستشفائهم وخدمات الطوارئ على نفقة الوزارة بنسبة 100% في المستشفيات الحكومية وعدد من المستشفيات الخاصة، وذلك تأكيدًا لالتزام وزارة الصحة العامة بتأمين حاجات الأهالي المرضى وسرت هذه التغطية الشاملة في المستشفيات على مرضى غسل الكلى والذين يخضعون لعلاج كيميائي، أينما وُجدوا.
كذلك، تم ربط مراكز الإيواء بعدد من مراكز الرعاية الصحية الأولية التابعة للوزارة إضافة إلى جولات دورية لعيادات دورية على هذه المراكز لتأمين معاينات طبية ودعم نفسي وتوزيع لقاحات وأدوية مجانية للأمراض المزمنة والحادة، إذ إن العديد من الأهالي النازحين المصابين بأمراض مزمنة وغير مزمنة غادروا منازلهم على عجل، تحت وطأة الإنذارات الإسرائيلية بالإخلاء، من دون أدويتهم.
وشملت المتابعة الصحية وتوزيع الأدوية، النازحين الموجودين خارج مراكز الإيواء حيث تمت دعوتهم للتوجه إلى مراكز الرعاية الصحية الأولية للحصول على ما يحتاجون إليه من معاينات وفحوصات واستلام أدويتهم تباعًا على نفقة الوزارة، مع الإشارة إلى أن توزيع الأدوية رُبط إلكترونيًا بالوزارة، بهدف ضبط الإنفاق وضمان تقديم الخدمة بأكبر قدر ممكن من الشفافية.
وحصلت خدمات الصحة النفسية على اهتمام خاص حيث تم تقديم أدوية واستشارات نفسية وعلاجات إستشفائية بإشراف أطباء نفسيين ومعالجين.
وبرزت في السياق الجولات الدورية التي قام بها وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين على مراكز إيواء النازحين متفقدًا أوضاعهم ومستمعًا إلى ما لديهم من ملاحظات وشكاوى، متأكدًا من حصولهم على ما يحتاجون إليه من علاج وخدمات صحية وطبية، فضلا عن اجتماعات دورية متواصلة مع المستشفيات ومراكز الرعاية الموجودة في مناطق النزاع لمتابعة أوضاعهم عن قرب وتأمين ما يحتاجون إليه من مستلزمات صمود واستمرارية.
ورغم الأزمة المالية التي يعانيها لبنان، أمنت الدولة من خلال وزارة الصحة العامة دعمًا للقطاع الصحي بلغ 12 مليونا و370 ألف دولار، مما أسهم في تمكين المستشفيات الحكومية من العمل، وبالنسبة للهبات العينية من الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الأممية والدولية فقد تم توزيعها على المستشفيات والمراكز الصحية في مختلف المناطق اللبنانية بشفافية مطلقة من خلال عرض كل التفاصيل على لوحة رقمية على الموقع الإلكتروني لوزارة الصحة العامة.
ورغم ظروف الحرب القاسية التي دفعتها إلى تكثيف العمل على المدى القصير والفوري، لم تتخل وزارة الصحة العامة عن التزامها تطوير النظام الصحي على المديين المتوسط والبعيد، فكانت أكثر من مبادرة عكست إصرار وزير الصحة العامة على رفد هذا النظام بما يؤهله للنمو والتطور ومواكبة الحاجات الصحية، وفي ما يلي أبرز المشاريع التي تم إقرارها واستكمال تجهيز المستشفيات الحكومية في مختلف المناطق اللبنانية من خلال تحديث معداتها ومختبراتها بتمويل من قرض من البنك الدولي.
فضلا عن وضع الحجر الأساس لأعمال تأهيل المختبر المركزي الوطني للصحة العامة للأمراض المعدية الناشئة والمعاودة الظهور في مشروع وصفه وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين بأنه إنجاز واستثمار إستراتيجي يستعيد القدرة على كشف التهديدات الصحية وحماية المجتمع، وذلك في مستشفى الشهيد رفيق الحريري الحكومي الجامعي، بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية (WHO)، وبتمويل من بنك الاستثمار الأوروبي “EIB” ودعم من السفارة النرويجية، ويشكل المشروع محطة مفصلية في مسار إعادة تأهيل البنية التحتية للصحة العامة في لبنان وتعزيز القدرات الوطنية الأساسية للترصّد الوبائي، والكشف المبكر، والاستعداد للطوارئ، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية المستمرة.
– إعادة افتتاح وحدة الصحة النفسية في مستشفى الحريري بدعم من الوكالة الفرنسية للتنمية “AFD” ومؤسسة “IF” لتكون مركزاً متخصصاً يقدم خدمات علاجية ونفسية متكاملة وشاملة، في مسار تطوير النظام الصحي الوطني، بروح من الكرامة والاحترام بما يعزز التعافي والإندماج.
– إطلاق الإستراتيجية الوطنية للتحوّل الرقمي في القطاع الصحّي 2025-2030 بهدف تطوير خدمات الرعاية الصحية وتعزيز العدالة الصحية في مختلف المناطق اللبنانية، إنطلاقا من دور هذه الإستراتيجية في إصلاح النظام الصحي في لبنان واستعادة الشفافية والفعالية والثقة إلى جانب إنجاز توسعة المستودع المركزي للمعدات والمستلزمات الطبية في الكرنتينا، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية ودعم كريم من حكومة اليابان.
(توسيع بروتوكولات العلاج بنسبة 400 في المئة)
وأراد وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين أن تشكل مسؤوليته الوزارية رسالة أمل فلا يبقى أي مريض من دون علاج، فأقر توسيع بروتوكولات علاج مرض السرطان بنسبة أربعمئة في المئة مع التركيز على التحديث المستمر للبرنامج الوطني لمكافحة السرطان، وإعادة تفعيل السجل الوطني نظرًا لمحورية الداتا في وضع السياسات وتحديد الخطط، وتم الإثبات بأن نسبة السرطان في لبنان تبلغ 224/100 ألف.
وفي قرار متقدم، أعلن الدكتور ناصر الدين التغطية الشاملة لعمليات زرع نقي العظم في كل المستشفيات الخاصة والرسمية مما شكل خرقًا إيجابيًا في مسار علاج مرض السرطان في لبنان، كما اتخذ القرار بالتغطية الاستشفائية الكاملة للسكتة أو الجلطة الدماغية على نفقة الوزارة بنسبة 100% لتغطية العمل الجراحي بالكامل عبر القسطرة لإزالة الجلطة، حيث تترتب على هذه العملية تكاليف كبيرة، وباعتبار أن أي شخص قد يتعرّض لهكذا حادث صحي يغيّر حياته رأسًا على عقب، من إنسان منتج وفاعل في المجتمع إلى إنسان، في حال بقي على قيد الحياة، يعاني إعاقة دائمة.
وبالتوازي استمرت حملات التوعية على الأمراض المستعصية والمزمنة بهدف التحفيز على الوقاية والكشف المبكر مما يحقق تفادي الكثير من المعاناة الصحية والتأكيد على ضرورة تطبيق قانون منع التدخين لتفادي تزايد الإصابات بالسرطان ، فضلا عن الحملة الوطنية للتوعية حول الوقاية من السرطان بالتزامن مع تقييم الخطة الوطنية لمكافحة السرطان 2023-2028 والتي يتم تطبيقها تحت شعار “لن يبقى اي مريض من دون علاج ، إلى جانب بعد توقف دام ست سنوات بسبب الأزمات المتتالية التي شهدها لبنان، إعادة إطلاق الحملة الوطنية للتوعية والكشف المبكر عن سرطان الثدي في خمسين مستشفى حكوميًا وخاصًا تحت شعار “صرتي بالأربعين، ما تفكري مرتين، اعملي صورة الثديين”.
– الحملة الوطنية للتوعية حول سرطان الرئة تحت شعار “مع كل نفَس… بتخسر نفس”، للتحذير من مخاطر التدخين بجميع أشكاله، بما في ذلك السجائر التقليدية والسجائر الإلكترونية والنرجيلة، والتأكيد على مخاطر التدخين السلبي ، فضلا عن الحملة الوطنية لمكافحة سرطان البروستات الذي يتسلل بلا عوارض في حين أن علاجه في مراحله الأولى تسجل نسب نجاح مرتفعة في العلاج. وام.




