سنوات طويلة قضيتها في الدراسات والبحوث الاجتماعية والثقافية، جلست فيها مع كبار السن في معظم مناطق الإمارات وقُراها، كثيراً ما كان اللقاء تحت سقف بيت من جذوع النخيل وسعفها، حيث رائحة التمر والقهوة الإماراتية تملأ المكان.. كان أولئك الرجال مبدعين في الفنون الأدبية الشعر، الأمثال، القصص العميقة التي تحمل حكمة الأجداد وتجاربهم.
معظم كبار السن في الإمارات، ممّن قابلتهم ومن أقاربي ومعارفي أيضاً كانوا يرددون الشعر النبطي الإماراتي القديم بلا ورقة ولا كتاب، يحفظونه غيباً، فتخرج الأبيات من صدورهم عفوية، وكأن القصيدة تنبض مع نبضه وتنفسه.
كنت أسأل: «هل هذه القصيدة من تأليفك؟»، فيقول أحياناً نعم، وأحياناً: «هذه القصيدة حفظتها من جدي، وجدي حفظها من جده، وهكذا منذ مئات السنين».
في تلك اللحظات كنت أتأمل دائماً هذا النظام المعرفي المتكامل الذي يقوم على الحفظ والتلقين والتفاعل الجسدي والروحي مع النص، ويعيد إنتاج نفسه في كل جيل.. هذه المعرفة تستند إلى الجسد والصوت والإيقاع وحضور الراوي وجمهوره.. إنها معرفة حية تبنى في اللحظة ويعاد بناؤها في كل أداء.
كثيراً ما تساءلت: كيف لقصيدة أن تعبر كل هذه القرون، من صدر إلى صدر، من مجلس إلى مجلس، دون أن تفقد حرفاً واحداً أو ذرة من روحها؟..
كيف يحفظ هؤلاء الرجال مئات الأبيات بل آلافها، وكأنها محفورة في صدورهم؟ هذه التساؤلات قادتني إلى التفكير العميق في طبيعة المعرفة الشفوية وفي تأمل الإبستمولوجيات البديلة التي تختلف جذرياً عن المنظور الغربي للتراث.
في تقاليد الهند القديمة مثلاً انتقل التراث الڤيدي شفوياً عبر نظام «الگورو-شيشيا» (المعلم والتلميذ) لأكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة عام، دون أن يكتب حرف واحد، فكان التلميذ يجلس أمام معلمه لسنوات، يسمع النص ويعيده حتى يصير جزءاً من كينونته.
في نظام «إيفا» المعرفي لدى شعب اليوروبا في نيجيريا، تقدم التعاليم الفلسفية والروحية من خلال القصص والأمثال والتراتيل التي يحفظها الكهنة ويتناقلونها شفوياً، وهذه النظم المعرفية تطرح سؤالاً جوهرياً: «هل يمكن للتراث أن يكون معرفة حية لا تختزل في النص المكتوب؟».
تمتلك الإمارات ثروة هائلة من هذا التراث الشفوي.. فقد ظل الشعر النبطي لقرون طويلة يلقى ويحفظ ويتناقل بين القبائل، حاملاً قصص البطولة والحب والفخر والكرم، وكانت القصيدة تخرج من صدر شاعر في مجلس فتتناقلها الألسن، وتطير مع الركبان إلى قبائل بعيدة، وكأنها رسالة تعبر الصحراء دون أن تكتب.
كذلك الأهازيج البحرية التي ترددت على شواطئ الإمارات حملت في نغماتها معرفة الملاحة وأسماء النجوم ومواسم الغوص، فكل نغمة تحمل سراً، وكل كلمة دليل على طريق أو موسم، لذلك، فإن هذه المعارف ظلت حية في ذاكرة الناس وإن لم تدون في كتب.
في الفلسفة الغربية اعتدنا على اعتبار الكتابة شرطاً للفكر المنهجي.. نقرأ أفلاطون وأرسطو عبر نصوصهم، ونظن أن الفكر يبدأ حيث تنتهي الشفاه..
لكن جلساتي في تلك المجالس علمتني أن المعرفة تولد في الفجوات بين الأصوات، في توقف النفس بين بيت وآخر، في نظرة راوٍ إلى جمهوره يبحث عن استجابة..
هناك حيث يتوقف الكلام، يبدأ المعنى الحقيقي، وهذه المعرفة الشفوية لا تحتاج إلى ورقة تثبتها، لأنها تثبت نفسها في كل مرة يرددها فيها صدر، وتستقر في كل قلب يصغي إليها.
اليوم، مع إحياء هذا التراث، نتساءل: كيف نتعامل مع هذه المعرفة الشفوية؟.. هل نكتفي بتسجيلها في أقراص وكتب، أم نحافظ على طابعها الحي، على تلك العلاقة الجسدية والروحية بين الملقي والمتلقي؟ فالتحدي الأكبر هو الحفاظ على روح التراث الشفوي.
حيث يمكن تسجيل آلاف القصائد والأهازيج في قواعد بيانات ضخمة، لكن لا يمكن أبداً نقل ذلك الشعور الذي ينتاب المستمع حين يسمع القصيدة من فم راوٍ عجوز، حيث يصبح المستمع شريكاً في بناء المعنى، يتفاعل مع الصوت والإيقاع والحضور..
هذا جوهر الإبستمولوجيا الشفوية: معرفة تبنى في اللحظة ويعاد بناؤها في كل أداء، ترتبط بسياقها الاجتماعي والمكاني، معرفة جسدية بقدر ما هي عقلية، جماعية بقدر ما هي فردية!
بناء فلسفة التراث العالمية يتطلب فتح الآذان لطرق المعرفة الأخرى، للأصوات التي لم تدون في الكتب لكنها ما زالت تتردد في المجالس والأسواق وعلى شواطئ البحر.
فكل صوت من هذه الأصوات يحمل فلسفة متكاملة، ورؤية للعالم، ونظاماً معرفياً يستحق القراءة والفهم والدرس، بفضل كونه شفوياً، لأنه ينبض بالحياة التي يعيشها الناس في تفاصيلهم اليومية، فالتراث الشفوي هو الفعل ذاته، الحضور ذاته، العلاقة التي تبني المعنى في لحظة تبادل الصوت والإيقاع والانفعال.. فلسفة التراث الحقيقية تبدأ حيث تتوقف الكتابة، وتبدأ الحياة.
مقال للكاتبة د. موزة غباش في صحيفة البيان .