
في كل مرة تشتعل فيها منطقة الخليج، لا ترتفع ألسنة اللهب فوق حقول النفط فقط، بل تمتد إلى أسواق المال في العواصم الغربية. فهذه المنطقة الصغيرة جغرافياً، ما زالت تمثل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، وأيّ اضطراب فيها يُهددّ بإعادة العالم الى دوامة التضخم والركود، وارتفاع أسعار الطاقة.
لهذا لم يكن مستغرباً أن تتعامل الإدارة الأمريكية مع فرصة لوقف التصعيد في الخليج باعتبارها أولوية تتجاوز حدود الأمن والعسكر، لتصبح اقتصادية واستراتيجية تمسّ مستقبل النظام الاقتصادي الغربي نفسه. وعلى الرغم من أن الرئيس ترامب يعلن دائماً أن هدفه الأول حماية المصالح الأمريكية، فإن مراقبين يرون أن سعيه المتكرّر لتخفيف التوترات في الخليج يحمل بُعداً أوسع، يتعلق بالحفاظ على تماسك الاقتصادات الغربية الكبرى التي تمثلها «مجموعة السبع»، فنجده حينما تشتد الأزمات، يُسابق الزمن لإنقاذ الغرب.
عندما تأسست «مجموعة السبع» عام 1975، بعد أزمة النفط العالمية، كانت تمثل القلب النابض للاقتصاد الدولي. ضمت أمريكا، وكندا، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، وكانت هذه الدول تسيطر على الجزء الأكبر من التجارة العالمية. وبذلك، انتقلت من مرحلة نادي الأغنياء الى مرحلة الدفاع عن النفوذ. وفي أوائل التسعينيات كانت دول المجموعة تنتج ثلثيّ الاقتصاد العالمي، وكانت قراراتها كافية لتحريك الأسواق، وتحديد اتجاه الاقتصاد الدولي بأكمله.
لكن العالم تغيّر.. فالصين صعدت من دولة نامية إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم. والهند أصبحت أحد أسرع الاقتصادات نمواً، وظهرت قوى اقتصادية جديدة في آسيا، وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا. ومع مرور السنوات، بدأت الحصة النسبية للمجموعة تتراجع، في وقت بدأت فيه «مجموعة بريكس» تكسب ثقلاً متزايداً في الاقتصاد الدولي.
ونسأل لماذا يخشى الغرب حرباً في الخليج؟ لأن الحرب هنا ليست مجرّد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل هي اختبار لقدرة الاقتصادات الغربية على تحمّل الصدمات. دول «مجموعة السبع» تواجه أصلاً تحديات كبيرة، تتمثل في ارتفاع الديون الحكومية، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وشيخوخة السكان، إضافة الى المنافسة المُتصاعِدة من الاقتصادات الناشئة. وفي ظل هذه الظروف، فإن أيّ قفزة كبيرة في أسعار النفط، أو اضطراب طويل في حركة التجارة العالمية قد يؤدي الى أكثر من نتيجة تُهدّد اقتصادها. ولهذا، فإن استقرار الخليج لا ينظر إليه في الغرب باعتباره قضية إقليمية، بل كعنصر في حماية الاقتصادات الغربية من الأزمات.
من هذا المنظور يمكن فهم الحماسة الأمريكية لاحتواء أزمة الخليج الحالية. فواشنطن تدرك أن الاقتصاد الأمريكي، وهو أكبر اقتصاد في العالم، لم يعد يتمتع بالهيمنة التي عرفها بعد نهاية الحرب الباردة. وفي المقابل، تعمل دول «مجموعة بريكس» على تعزيز التعاون الاقتصادي فيما بينها، وتوسيع استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، وتقوية المؤسسات المالية البديلة، والسعي لزيادة نفوذها داخل النظام الاقتصادي العالمي. لذلك، يرى بعض المحللين أن منع اندلاع حرب واسعة في الخليج لا يتعلق بخفض أسعار النفط أو حماية الملاحة البحرية فقط، بل يرتبط بالحفاظ على القدرات التنافسية للاقتصادات الغربية في مواجهة صعود القوى الاقتصادية الجديدة.
فكلما طال أمد الأزمات في الخليج، ازدادت قدرة المنافسين على توسيع نفوذهم واستقطاب مزيد من الشركاء الاقتصاديين. هنا نجد أننا أمام معركة بين نموذجين، ففي جوهر الأمر المنافسة هي منافسة بين نموذجين اقتصاديين. الأول تُمثله الدول الصناعية الغربية التي بنت النظام المالي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية. والثاني تُمثله الاقتصادات الصاعدة التي تسعى الى إعادة توزيع موازين القوة الاقتصادية الدولية. وفي هذه المعركة لا تقاس الانتصارات بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل بمعدلات النمو، والاستثمار، والتكنولوجيا، والاستقرار المالي.
لهذا تبدو منطقة الخليج اليوم أكثر من مجرّد مصدر للطاقة. إنها نقطة بين الأمن والاقتصاد والسياسة الدولية. فإذا اشتعلت المنطقة، ترتفع كلفة الطاقة وتتعاظم الضغوط على «مجموعة السبع». وإذا استقر الخليج، تحصل تلك الاقتصادات على فرصة لالتقاط الأنفاس ومواجهة التحديات.
قد يكون من المبالغة القول: إن ترامب يسعى لوقف التوتر في المنطقة من أجل «إنقاذ مجموعة السبع». لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن استقرار الخليج مصلحة حيوية لهذه المجموعة في مرحلة تتراجع فيها هيمنتها. ولهذا سيكون السؤال الأهم ليس من ينتصر، بل أيّ نموذج سيخرج أكثر قوة في أكبر أزمات القرن؟.
الكاتبة. د. تدي أحمد جابر من صحيفة الخليج الاماراتية.



