لقد أصبح الفضاء الرقمي اليوم ساحة مفتوحة تتدفق فيها المعلومات والمحتويات بلا حدود ولا سدود، وغدا المحتوى المنشور عبر المنصات المختلفة قوة مؤثرة تتشكل بها العقول، وتتكون من خلالها القناعات، وتبنى عليها المواقف والسلوكيات، وإن الناظر في واقع العالم المعاصر يدرك أن الكلمة المكتوبة والصورة المنشورة والمقطع المتداول قد تجاوزت آثارها الحدود الجغرافية.
وامتدت إلى قلب المجتمعات، تبني أو تهدم، وتصلح أو تفسد، وترتقي بالوعي أو تنحدر به إلى مهاوي سحيقة، ومن هنا صار المحتوى الهادف مسؤولية فردية يتحملها كل ناشر ومتلقٍ، ومسؤولية عالمية تتقاسمها الدول والمؤسسات والمنصات في كل مكان.
إن صناعة المحتوى رسالة وأمانة، فالكلمة مسؤولية عظيمة حملها الإنسان منذ فجر التاريخ، وقد قال الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، فكيف بقول يصل في لحظة واحدة إلى ملايين البشر، ويستقر في وجدان الناشئة والشباب، ويترك أثره في سلوك الأجيال؟
إن هذا الإدراك العميق لقيمة الكلمة وأثرها البالغ هو حجر الأساس في بناء وعي رقمي رشيد، يجعل الفرد أميناً على ما ينشر ويشارك ويتداول، ويجعله شريكاً فاعلاً في صناعة بيئة رقمية آمنة وفاعلة.
وقد قدمت دولة الإمارات نموذجاً ملهماً للعالم في تنظيم المحتوى وضبطه، انطلاقاً من رؤية حضارية ترى في الإعلام والمحتوى الرقمي رافداً للتنمية، وجسراً للتواصل الإنساني، وأداة لترسيخ القيم الأصيلة.
فقد أرست الدولة منظومة تشريعية متكاملة في هذا الميدان، ومن ذلك قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، وقانون مكافحة التمييز والكراهية والتطرف، وقانون حماية البيانات الشخصية، وغير ذلك من التشريعات واللوائح المنظمة للإعلام والمحتوى الإعلامي والرقمي، وما يرتبط بها من معايير للمحتوى وضوابط لاستخدام المنصات الرقمية، والتي تصب جميعاً في بناء فضاء رقمي آمن ومسؤول.
إن هذه المنظومة التشريعية المتميزة أثمرت بيئة رقمية آمنة وجاذبة، جعلت من دولة الإمارات حاضنة عالمية لصناع المحتوى الهادف، ووجهة مفضلة للمبدعين والمؤثرين من مختلف دول العالم، يجدون فيها البنية التحتية المتطورة، والتشريعات المحفزة، والمناخ الآمن المستقر، فتتحول طاقاتهم إلى محتوى يبني الوعي، وينشر المعرفة، ويعزز قيم التسامح والتعايش التي قامت عليها هذه الأرض الطيبة.
وفي المقابل، تبقى المسؤولية الفردية كما أسلفنا ركيزة أساس في هذا البناء الشامخ، فالتشريعات مهما بلغت قوتها لن تؤتي ثمارها ما لم يقترن ذلك بوعي الأفراد وإرادتهم الصادقة في تحقيق مقاصد هذه القوانين.
وإن من واجب كل فرد أن يستشعر دوره الجوهري في هذه المنظومة القانونية، فيتثبت قبل أن ينشر، ويتحقق قبل أن يشارك، ويسأل نفسه قبل كل تدوينة أو مقطع: أي أثر أترك في عقول المتابعين وقلوبهم؟
هل يرسخ ما أنشره قيمة إيجابية أم سلبية؟ هل يخدم وطني ومجتمعي أم يضر؟ فالمحتوى الهادف يثمر حين يحمل صاحبه هم الارتقاء بمجتمعه ووطنه، وهنا يبرز الدور المحوري للأسرة في غرس قيم التلقي الواعي والنشر المسؤول في نفوس الأبناء، ودور المدرسة في بناء التفكير الناقد وتعزيز المواطنة الرقمية، ودور المؤسسات الإعلامية في تقديم النموذج المهني الراقي الذي يحتذى في الصدق والموضوعية.
وإذا كنا نتكلم عن المحتوى الهادف فيجب أن ننوه على المسؤولية العالمية في هذا المجال، والتي تقتضي تعاوناً دولياً وثيقاً، وشراكات فاعلة بين الحكومات والمنصات الرقمية العالمية والمنظمات الدولية، وقد أدركت دولة الإمارات هذه الحقيقة مبكراً.
فمدت جسور التعاون مع الشركاء الدوليين، وشاركت بفاعلية في المبادرات العالمية الرامية إلى مكافحة خطاب الكراهية والتطرف الرقمي، واحتضنت المؤتمرات والمنتديات التي تجمع صناع القرار وقادة الفكر والإعلام لصياغة رؤى مشتركة حول مستقبل المحتوى الرقمي.
لتؤكد بذلك أنها شريك عالمي فاعل في صناعة فضاء رقمي أكثر أمناً وإشراقاً، وأن رسالتها الحضارية رسالة خير وسلام تتجاوز حدودها إلى العالم أجمع.
إن المحتوى الهادف يبدأ من وعي فردي، ويكتمل بمنظومة وطنية راسخة، ويثمر بتعاون عالمي متكامل، وقد قدمت دولة الإمارات في هذا الميدان نموذجاً فريداً يجمع بين التشريع الحكيم والتمكين الرشيد، وبين حماية القيم وتحفيز الإبداع، لتبقى منارة مشرقة للمحتوى الهادف، وواحة آمنة للكلمة الصادقة، ترفرف راياتها الزاهية في سماء الريادة الإعلامية والحضارية.
مقال للكاتب: أحمد محمد الشحي في صحيفة البيان.