مقالات

اختر عشرة

عيسى عبدالله الزرعوني

اختر عشرة

 

 

يعود ابنك من المدرسة بتسعة من عشرة، فتفرح به. أما الموظف، فإذا منحه العميل التسعة نفسها، عاد إلى مديره كأنه حصل على صفر!

لهذا، ما إن تنتهي الخدمة حتى يقترب منك الموظف بابتسامة قلقة: «سيصلك استبيان.. أرجوك اختر عشرة».

وفي الأغلب ستفعل، ليس لأن الخدمة تستحق عشرة، بل لأنك لا تريد أن تقطع رزق إنسان يقف أمامك وينتظر ضغطتك.

هنا تكمن الخدعة. بعض المؤسسات لا تريد رأيك، بل تريد إصبعك!

وإذا كانت العشرة هي الإجابة الوحيدة التي ترضيكم، فاختصروا علينا الاستبيان كله، وضعوا زراً واحداً كُتب عليه: «نحن ممتازون.. وافق هنا!».

واللعبة نفسها وصلت إلى تقييمات «غوغل»، ففي فبراير الماضي شددت قواعد تقييماتها: لا تطلبوا من العميل أن يكتب تقييمه وهو لايزال في المكان، ولا تضغطوا عليه، ولا تلقنوه الدرجة أو الكلمات.

لكن لا تظلموا الموظف، فهو أول ضحايا اللعبة، وخلفه مدير يطارده بالرقم، وفوق المدير مسؤول يريد تقريراً جميلاً، وفي القمة إدارة لا تحب إلا العشرة.

حين تعاقب الإدارة الموظف على التسعة، فهي لا تقيس رضا العميل؛ بل تقيس قدرته على استجداء العشرة.

وهكذا تصعد العشرة إلى الطابق الأعلى، وتبقى الحقيقة عند الباب!

وفي الطابق الأعلى، يصل إلى المسؤول تقرير مبهج: «98% من العملاء راضون». يبتسم مطمئناً، بينما يخرج العميل نفسه ويقسم ألّا يعود.

فالتقييم لم يُخلق ليصفق لكم، بل لينبهكم. ومن يخفي الرقم المنخفض لا يحمي سمعته؛ بل يحرم نفسه من معرفة الخلل.

والحل لا يبدأ من توقيت الاستبيان، بل من عقل الإدارة. أرسلوا الاستبيان بعد مغادرة العميل، ولا تجعلوا التسعة جريمة، ولا الثمانية فضيحة. كل درجة أقل من عشرة لا تهينكم؛ بل تخبركم أين أخطأتم.

لا تقولوا للعميل: اختر عشرة.

لأن العشرة التي يطلبها الموظف لا تمدح الخدمة، بل تفضح الإدارة.

 

إعلامي

مقال للكاتب: عيسى عبدالله الزرعوني في صحيفة الإمارات اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى