
ففي العصر الرقمي، لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات تقنية لتنظيم المحتوى، بل أصبحت جزءاً من البيئة التي تُصاغ فيها القناعات وتُعاد فيها هندسة الإدراك. ومن هنا لم يعد السؤال: من يملك القوة؟ بل أصبح: من يملك القدرة على تشكيل ما يراه الناس، وما يصدقونه، وما يتصرفون على أساسه؟
وهذا التحول ليس مجرد تعديل اصطلاحي، بل يعكس تطوراً في فهم طبيعة التهديد؛ فالعزلة التنظيمية لا تعني بالضرورة العزلة الفكرية، ولا تعني أن الأفكار تتشكل خارج سياقات التأثير والتوجيه.
ويقصد بالقطيع المنفرد، في هذا السياق، نمط من التأثير الجماعي غير المباشر، تتشكل فيه قناعات أفراد متفرقين مكانياً داخل بيئة رقمية مشتركة، من دون وجود تنظيم هرمي أو قيادة مباشرة، ولكن تحت تأثير سرديات وآليات توصية متقاربة.
وهنا لا تقود الخوارزمية الإنسان بصورة مباشرة، لكنها قد تعيد تشكيل بيئة الإدراك التي تتكون داخلها قناعاته، حتى يظن أنه وصل إلى موقفه باستقلالية كاملة، في حين كانت رحلته المعرفية تُوجَّه بصمت، خطوة بعد أخرى.
لذلك لم يعد الانتقال من التعاطف مع الفكرة إلى الاستعداد لترجمتها سلوكاً يعتمد فقط على وجود مجنّد بشري أو تنظيم هرمي، بل قد يتسارع داخل منظومات رقمية تعيد إنتاج الرسائل ذاتها، وتمنحها مظهر الإجماع واليقين.
ومن ثم، فإن الاستثمار في الأمن الفكري لم يعد خياراً ثقافياً أو نشاطاً توعوياً مكمّلاً، بل أصبح ركيزة استراتيجية موازية للأمن السيبراني، وكلاهما يشكل اليوم جزءاً من منظومة الأمن الوطني الشامل.
وثانيها، الانتقال من الأمن التفاعلي إلى الأمن الاستباقي، عبر توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل المصادر المفتوحة لرصد المؤشرات المبكرة لعمليات التأثير المنظم، مع الالتزام بالأطر القانونية والأخلاقية.
وثالثها، بناء شراكة تشغيلية مستدامة بين المؤسسات الأمنية، ومراكز الفكر، وشركات التقنية، بحيث تتحول العلاقة بينها من تبادل المعلومات إلى إنتاج معرفة مشتركة قادرة على فهم البيئة الرقمية والتعامل مع تعقيداتها.
وأما البعد الرابع، فهو ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة باعتبارها خط الدفاع الأول، لأن المجتمع الواثق من قيمه والمنفتح في وعيه أقل قابلية للاختراق الإدراكي من مجتمع مضطرب في تعريف ذاته.
فمركز هداية يمثل منصة دولية متخصصة في بناء القدرات وإنتاج المعرفة في مجال مكافحة التطرف العنيف، في حين يجسد مركز صواب نموذجاً للمواجهة الرقمية للخطابات المتطرفة عبر تقديم سرديات بديلة في الفضاء الإلكتروني.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها لا تقتصر على الاستجابة للتهديد بعد ظهوره، بل تسعى إلى تحصين البيئة الإدراكية التي يتشكل فيها الوعي العام، وهو ما يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الصراع في العصر الرقمي.
ومن هنا لم يعد الأمن الفكري برنامجاً توعوياً هامشياً، بل ركيزة من ركائز الأمن الوطني بمعناه الشامل، وجزء من مفهوم سيادة الدولة الوطنية في القرن الـ 21.
فالمعركة المقبلة لن تكون بين من يملك السلاح ومن لا يملكه، بل بين من يملك مناعة فكرية ومعرفية ومن تُدار عقولهم من الخارج. ومن يربح معركة الوعي اليوم، قد لا يحتاج إلى خوض معركة الغد.
مقال للكاتب: فيصل الشامسي في صحيفة البيان.



