مقالات

راعي الأوّلة

عيسي عبدالله الزرعوني

راعي الأوّلة

في عام 2012 عرض عليَّ صديق راتبه كله. لم آخذ منه درهماً واحداً، ومع ذلك مازلت مديناً له حتى اليوم.

كنت قد خسرت في تجارة بعدما وضعت ثقتي في غير محلها. جلست في مطعم أنتظر صديقي السوداني والدنيا تدور بي. لم أكن أعرف من أين أبدأ، ولا كيف أخرج من الخسارة.

جاء وسمع قصتي حتى نهايتها. كان راتبه 7000 درهم، فعرض أن يضعه تحت تصرفي، وأن يكتفي هو بـ500 درهم، بل كان مستعداً لأن يسحب مبلغاً من بطاقته الائتمانية، ثم قال: «لو أستطيع فعل أكثر لفعلت. الفلوس تروح وتيجي، بس إنت أخوي ولازم أقف معك».

شكرته، ودبّرت أمري. لم يعرض عليَّ فائضه، بل عرض ما يحتاج إليه، فالموقف لم يكن في المال الذي سيعطيني إياه، بل فيما كان مستعداً أن يتخلى عنه وهو يحتاجه، وبعض المعروف يكتمل بمجرد عرضه حتى إن لم تمتد يد لتأخذه.

يقول أهلنا: «راعي الأوّلة ما ينلحق»، ليس لأن المعروف الأول أكبر دائماً، بل لأنه يأتي حين تكون في أشد الحاجة إليه، ويقف صاحبه معك قبل أن يعرف كيف ستنتهي أزمتك.

قد يعطيك الآخرون أكثر لاحقاً، لكن الأول رآك في لحظة لا تحب أن يراك فيها أحد، وبقي.

نحن نجيد ردّ ما يصل إلى أيدينا؛ مالاً بمال، وخدمة بخدمة، لكن كيف تردّ شيئاً لم تأخذه أصلاً؟ في لغة البنوك لم يحدث شيء، لم يخرج المال من حسابه ولم يدخل حسابي، أما في لغة المواقف فقد بقي في ذمتي دين لا يظهر في كشف حساب.

والعجيب أننا نروي خذلان شخص عشر مرات، ثم نختصر معروفاً كهذا في كلمة: شكراً. نحفظ الأرقام والخسائر والتواريخ، وننسى من جعل الأزمة أخف، كأن الإساءة تستحق ذاكرة كاملة، أما المعروف فيكفيه سطر. والوفاء الحقيقي ألا نختصر المعروف في كلمة «شكراً»، بل ألا ننسى صاحبه.

فتش في ذاكرتك: من وقف معك قبل أن تطلب؟ إن كان حياً، فلا تؤجل شكره.

لم يُنقذ صديقي تجارتي يومها، لكنه أنقذ ثقتي بالناس.

الكاتب. عيسي عبدالله الزرعوني من صحيفة الامارات اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى