مقالات

«العدالة الذكية»

محمد سالم ٱل علي

«العدالة الذكية»

مع دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي حاولت كإنسان حالم لديه شغف بالأفكار أن أستشرف مستقبل الخدمات الحكومية في مقالة عنوانها «الروبوت حاضر عن المتهم» بتاريخ 11 مايو 2023، ومع إعلان سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، رئيس دائرة القضاء في أبوظبي، عن إطلاق أول منصة قضائية متكاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في العالم، تثبت الإمارات أنها لم تعد تكتفي برقمنة الخدمات، بل ذهبت إلى ترسيخ العدالة وإعادة هندستها بأدوات العصر، ففي لحظة واحدة انتقلنا من صورة «الملفات والأختام والانتظار» إلى صورة «البيانات والخوارزميات والشفافية». القضاء هو عقد بين الدولة والإنسان، فإذا اطمأن الناس إلى أن حقوقهم ستصل إليهم سريعاً وعدلاً، اطمأنوا إلى الاقتصاد، وإلى الاستثمار.

الذكاء الاصطناعي هو مساعد للقاضي وليس بديلاً عنه؛ فالمنصة لا تستبدل القاضي الذي سيبقى هو صاحب الحكم وضميره، لكن الذكاء الاصطناعي سيصبح «مساعده الأول» الذي لا ينام، ماذا يعني ذلك عملياً؟ أولاً: السرعة حيث تستطيع في دقائق أن تراجع آلاف السوابق القضائية، وتطابق الأدلة، وترصد الثغرات الإجرائية، وتصنف الدعاوى حسب الأولوية، وهو ما كان يستغرق أسابيع وشهوراً من البحث. ثانياً: دقة تقضي على الخطأ البشري، نسيان مستند، تكرار إجراء، خطأ في حساب مدة.. كلها أخطاء تختفي حين تتولى الخوارزمية المتابعة والتذكير والتوثيق. ثالثاً: لغة واحدة للجميع، فالمنصة قادرة على ترجمة الأحكام والإجراءات فوراً، وتقديم تفسيرات مبسطة للمتقاضين، فلا يعود القانون حكراً على أهل القانون.

الإمارات لم تنتظر أن «ينضج» الذكاء الاصطناعي في مكان آخر ثم تشتريه، فنهج الإمارات أننا لا نستورد المستقبل بل نصنعه، هي قررت أن تكون أول من يجرّبه في أكثر القطاعات حساسية وهو القضاء، سبقتهم في الحكومة الذكية، وفي المركبات ذاتية القيادة، وفي الطاقة النظيفة، واليوم يسبقون العالم في «العدالة الذكية». هذا ليس صدفة، هذا نهج ونموذج لصناعة المستقبل، نهج يقول: التكنولوجيا ليست غاية، الغاية هي راحة الإنسان. وإذا كانت التكنولوجيا تستطيع أن توصل الحق لصاحبه أسرع، فواجبنا أن نستخدمها.

الكاتب. محمد سالم ٱل علي من صحيفة الامارات اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى