
في أحد المسلسلات البريطانية دار حوار قصير، لكنه يحمل معنى أعمق مما يبدو للوهلة الأولى؛ سألت الزوجة زوجها: «هل تحب البيض مقلياً أم مسلوقاً؟» فأجاب مبتسماً: «مقلياً»، فقالت: «ستموت صغيراً»، فرد عليها ساخراً: «المهم أن أموت سعيداً».
قد تبدو الجملة مجرد دعابة تلفزيونية، لكنها في الواقع تختصر عقلية شائعة في مجتمعات كثيرة، عقلية تضع الصحة في مواجهة السعادة، وكأن الإنسان مطالب بالاختيار بين أن يعيش حياة ممتعة أو أن يعيش حياة صحية. هذه الثنائية ليست صحيحة، لكنها ما زالت تؤثر في سلوك كثيرين ممن يعتقدون أن الاعتناء بالصحة يعني التخلي عن كل ما يحبونه.
والأخطر من ذلك أننا أصبحنا نشاهد أمراضاً كانت ترتبط في الماضي بكبار السن، وهي اليوم تصيب شباباً في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر. أزمات قلبية، وارتفاع في ضغط الدم، وخلل في مستويات الكوليسترول والدهون الثلاثية، والسكري، وغيرها من الأمراض التي لا تأتي غالباً من فراغ، بل تتراكم بصمت نتيجة نمط حياة غير صحي وإهمال طويل للفحوصات الدورية.
المفارقة أن بعض الناس لا يخشون المرض بقدر ما يخشون اكتشافه. تسمع أحدهم يقول: «لا أريد أن أجري الفحص حتى لا أقلق». وكأن تجاهل الحقيقة سيمنعها من الوجود. بينما تؤكد التجارب الطبية أن الاكتشاف المبكر هو العامل الأهم في الوقاية والعلاج، وأن كثيراً من الأمراض المزمنة يمكن السيطرة عليها أو الحد من مضاعفاتها إذا شُخّصت في وقت مناسب.
الثقافة الصحية ليست أن يتحول الإنسان إلى طبيب، ولا أن يعيش أسيراً للتحاليل والأرقام، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة الذي يساعده على اتخاذ قرارات أفضل. أن يعرف متى يحتاج إلى الفحص، وما أهمية النشاط البدني، وكيف يقرأ المؤشرات الأساسية لصحته، ولماذا يعد الغذاء المتوازن استثماراً طويل الأمد وليس حرماناً مؤقتاً.
ولعل من أكثر الأمثلة التي تكشف خطورة تجاهل الحقائق الصحية ما حدث في الولايات المتحدة مع حركة «محبة الجسد» التي توسعت قبل سنوات تحت شعار تقبل السمنة وعدم الشعور بالذنب تجاهها. كان الهدف المعلن محاربة التنمر والوصمة الاجتماعية، وهو هدف إنساني مشروع، لكن بعض الأصوات ذهبت إلى أبعد من ذلك، فبدأت تقلل من المخاطر الطبية للسمنة، وتصورها على أنها مجرد اختلاف في شكل الجسم لا علاقة له بالصحة.
ومع مرور الوقت جاءت الوقائع أكثر إقناعاً من الشعارات، إذ توفي عدد من أبرز المؤثرين المرتبطين بالحركة نتيجة أمراض مزمنة ارتبطت بالسمنة ومضاعفاتها، لتتراجع تلك الموجة تدريجياً، بعدما أثبت الواقع أن احترام الإنسان لنفسه لا يتعارض مع الاعتراف بالحقائق العلمية.
إن حب الجسد لا يعني الاستسلام لما يضره، بل العناية به. والبحث عن السعادة لا يعني تجاهل أسباب المرض، بل إيجاد التوازن بين متعة الحياة ومتطلبات المحافظة عليها. فلا أحد يطالب الناس بحرمان دائم أو حياة قاسية، وإنما المطلوب هو الاعتدال، قليل من الحركة، وطعام أكثر توازناً، ونوم كافٍ، وفحوصات دورية قد تستغرق دقائق، لكنها قد تضيف إلى العمر سنوات.
في النهاية الثقافة الصحية ليست رفاهية يمارسها المهتمون باللياقة، ولا هوساً يعيق الاستمتاع بالحياة، بل هي مسؤولية فردية ومجتمعية. فكل فحص مبكر قد ينقذ حياة، وكل عادة صحية صغيرة قد تمنع مرضاً كبيراً، وكل قرار واعٍ اليوم قد يمنح الإنسان غداً أطول مع أسرته وأحبائه.
ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي ليس في علاج الأمراض بعد وقوعها، وإنما في بناء وعي صحي يجعل الوقاية أسلوب حياة، لأن الصحة ليست كل شيء، لكنها تصبح كل شيء عندما نفقدها.
مقال للكاتب: علي العامري في صحيفة البيان.



