
انصبّ الاهتمام في الآونة الأخيرة على الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في كثير من الأحيان على قضية الملاحة عبر مضيق هرمز، إلا أن قضية الأسلحة النووية الإيرانية لا تشكل تهديداً لمنطقة الخليج فحسب، بل للمجتمع الدولي بأسره أيضاً، وهي قضية ينبغي أن تثير قلقاً بالغاً لدى الجميع. ولا تزال القضايا النووية تمثل تحدياً رئيسياً في شرق آسيا، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير برامجها النووية والصاروخية، بما يشكل تهديداً خطراً يتعين على المجتمع الدولي التصدي له. ومع احتدام الاشتباكات والمواجهات في أنحاء مختلفة من العالم، بات من الصعب بصورة متزايدة على المجتمع الدولي التوصل إلى توافق في الآراء بشأن عدم الانتشار النووي. وشكل المؤتمر الاستعراضي للدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، الذي عُقد في ربيع هذا العام، اجتماعاً مهماً – فهو الأول منذ ما يقارب من أربع سنوات – الذي جمع طيفاً واسعاً من الدول الحائزة للأسلحة النووية والدول غير الحائزة لها. إلا أنه، وفي ظل بيئة أمنية دولية تزداد تعقيداً وخطورة، أخفق المؤتمر في نهاية المطاف في اعتماد وثيقة ختامية. وكما أن تمزقاً صغيراً، إذا تُرك من دون معالجة، يتسع تدريجياً، فإن هناك مخاوف من أن يفقد نظام عدم الانتشار النووي الدولي فاعليته مع اتساع الاختلافات في المواقف الوطنية وتعاظم المواجهات بين الدول. ولمنع حدوث مثل هذا السيناريو، من المهم أن تعتبر كل دولة عدم الانتشار النووي مسؤوليتها الخاصة، وأن تتخذ الإجراءات اللازمة.
وقد بذلت اليابان جهوداً دبلوماسية، بالتعاون مع دول معنية، من أجل التوصل إلى حل للقضية النووية الإيرانية. ونأمل أن تسفر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في المرحلة المقبلة عن التوصل إلى اتفاق بشأن القضية النووية في أقرب وقت ممكن.
في السادس من أغسطس 1945، أُلقيت قنبلة ذرية على هيروشيما. وبعد ثلاثة أيام، في التاسع من أغسطس، أُلقيت قنبلة ذرية أخرى على ناغازاكي. وفي اليابان، يُحتفى بهذين التاريخين على نطاق واسع بوصفهما «يوم إحياء ذكرى القنبلة الذرية»، وتُقام مراسم إحياء السلام سنوياً في كلتا المدينتين. وتمنحنا هاتان المناسبتان فرصة لاستذكار ما حدث في الماضي وتجديد عزمنا على ألا تتكرر أبداً المأساة التي تسببت بها الأسلحة النووية.
ويُقدَّر أن نحو 210 آلاف شخص فقدوا حياتهم في هيروشيما وناغازاكي بحلول نهاية عام 1945، فيما عدد أكبر بكثير من الأشخاص يعانون آثار التعرض للإشعاعات. ومن الصعب على أولئك الذين لم يختبروا مثل هذا الدمار أن يدركوا بصورة كاملة العواقب الإنسانية الكارثية للأسلحة النووية. ومع تقدم الهيباكوشا، وهم الناجون من القصف الذري، في السن، أصبح نقل حقائق القصف الذري إلى الأجيال المقبلة تحدياً ملحاً.
في هذا السياق، بات مشجعاً رؤية الشباب في اليابان أكثر انخراطاً في القضايا النووية من خلال الاستماع إلى شهادات الهيباكوشا، ومشاركة تجاربهم مع الآخرين، والدعوة إلى أهمية نزع السلاح النووي والحد من انتشاره. وخلال السنوات الأخيرة، استقبل متحف هيروشيما التذكاري للسلام ومتحف ناغازاكي للقنبلة الذرية أيضاً أعداداً متزايدة من الزوار القادمين من الخارج. ويزور هذين المتحفين سنوياً نحو 1.12 مليون زائر دولي للتعرف إلى حقائق القصف الذري. ولا حاجة إلى القول إن تعزيز الوعي العام بقضية الأسلحة النووية يكتسب أهمية حيوية في الحفاظ على الزخم الدولي نحو تحقيق عالم خالٍ من الأسلحة النووية. وآمل مخلصاً أن تتاح الفرصة للعديد من أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة لزيارة هيروشيما وناغازاكي والاطلاع على هذه الحقائق بأنفسهم.
وبوصفها الدولة الوحيدة التي عانت من القصف النووي خلال الحرب، دأبت اليابان على اعتبار نزع السلاح النووي والحد من انتشاره من بين أعلى أولويات سياستها، ومارست دوراً قيادياً داخل المجتمع الدولي في هذا المجال. ومن أجل بناء زخم نحو تحقيق عالم خالٍ من الأسلحة النووية، أطلقت اليابان، بالتعاون مع الدول ذات التوجهات المماثلة، مبادرة عدم الانتشار ونزع السلاح (NPDI)، وهي تجمع عابر للأقاليم يضم الدول غير الحائزة للأسلحة النووية. وأشيد إشادةً كبيرة بمشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة في هذه المبادرة وإسهامها القيّم فيها.
وفي حين تظل الجهود الرامية إلى تسريع نزع السلاح النووي وعدم انتشاره أمراً لا غنى عنه، فإن تعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في ظل الضمانات الصارمة للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) يحقق أيضاً فوائد كبيرة من منظور بناء مجتمع منخفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز رفاهية الإنسان. وتتعاون اليابان ودولة الإمارات العربية المتحدة أيضاً بصورة وثيقة في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، أسهمت شركات يابانية في مرافق مرتبطة بمحطة براكة للطاقة النووية. وإضافة إلى ذلك، أُدخلت تقنية العلاج الإشعاعي بالأيونات الثقيلة اليابانية في كليفلاند كلينك أبوظبي، بينما تتعاون الجامعات اليابانية في تدريب الكوادر الطبية. وتُظهر هذه الأمثلة كيف يسهم التعاون بين اليابان ودولة الإمارات العربية المتحدة في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية إسهاماً ملموساً في حياة الناس في هذا البلد. وبصفتي سفير اليابان لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، يسعدني أن أرى التقنيات والمنتجات اليابانية المتقدمة تسهم في دعم إمدادات الكهرباء والرعاية الصحية في الدولة. وآمل مخلصاً أن يتعزز تعاوننا في هذه المجالات بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة.
الكاتب. كين اوكانيوا من صحيفة الخليج.



