مقالات

محمد المر… حين يصبح المثقف جزءاً من ذاكرة الوطن

د. عيسي محمد البستكي

محمد المر... حين يصبح المثقف جزءاً من ذاكرة الوطن

جاءت إشادة سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم النائب الأول لحاكم دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير المالية، بمعالي محمد أحمد المر رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، لتؤكد حقيقة يدركها كل من تابع مسيرة دبي الثقافية خلال العقود الماضية، وهي أن بناء المدن لا يكتمل بالمباني والاقتصاد فحسب، بل يحتاج أيضاً إلى رجال يصنعون الوعي، ويحفظون الذاكرة، ويؤسسون للثقافة، بوصفها ركناً من أركان التنمية.

لقد أسهم معالي محمد المر، عبر مسيرته الأدبية والثقافية والوطنية، في ترسيخ المشهد الثقافي في دبي، وفي بناء إرث إنساني، سيظل شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ الإمارة.

ولم يكن حضوره مجرد حضور كاتب أو قاص أو مسؤول، بل كان حضور الإنسان المؤمن بأن الثقافة هي الاستثمار الأطول عمراً، والأكثر تأثيراً في صناعة المجتمعات.

عرفناه أديباً يكتب عن الإنسان الإماراتي، ويوثق تفاصيل الحياة اليومية، ويمنح المكان ذاكرته، ويجعل من الحكاية المحلية رسالة إنسانية، تصل إلى القارئ أينما كان.

وفي الوقت ذاته، عرفناه مسؤولاً حمل همّ الثقافة، وسعى إلى تطوير مؤسساتها، ودعم المبدعين، وفتح الأبواب أمام الأجيال الجديدة لتواصل مسيرة الإبداع.

إن ما يميز تجربة محمد المر أنها لم تنفصل يوماً عن مشروع دبي الحضاري، فكما كانت دبي تبني اقتصاد المستقبل، كانت تبني أيضاً إنسان المستقبل، وكما استثمرت في التكنولوجيا والابتكار، استثمرت في الأدب والفنون والمعرفة، إيماناً منها بأن الحضارة الحقيقية تقوم على توازن بين التنمية المادية والتنمية الثقافية.

واليوم، ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، تزداد أهمية المحافظة على الهوية الثقافية، وتوثيق الذاكرة الوطنية، وتعزيز القيم الإنسانية التي تشكل جوهر الشخصية الإماراتية.

ومن هنا، تبرز قيمة الرواد الذين أدركوا مبكراً أن الثقافة ليست ترفاً، وإنما هي قوة ناعمة، وأحد أهم عناصر بناء الأمم.

لقد استطاع معالي محمد المر أن يقدّم نموذجاً للمثقف الذي يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الاعتزاز بالهوية والتواصل مع العالم.

وهذه المعادلة هي ذاتها التي نجحت دبي في ترسيخها، فأصبحت مدينة عالمية، تحتضن أكثر من مئتي جنسية، دون أن تفقد شخصيتها الثقافية أو خصوصيتها الوطنية.

إن الأجيال الجديدة بحاجة إلى قراءة تجربة محمد المر، ليس فقط للاستمتاع بإبداعه الأدبي، بل لفهم كيف يمكن للفكر والثقافة أن يكونا شريكاً حقيقياً في مسيرة التنمية.

فالأمم التي تحفظ ذاكرتها، هي الأمم الأقدر على صناعة مستقبلها، والمجتمعات التي تكرّم مبدعيها، هي المجتمعات التي تؤمن بأن الإنسان هو أعظم ثرواتها.

وأعتز شخصياً بأنني عملت مع معالي محمد أحمد المر في أكثر من محطة وطنية وعلمية وثقافية، ما أتاح لي أن ألمس عن قرب ما يتمتع به من حكمة، وتواضع، ورؤية بعيدة المدى.

فقد تشرفت بعضوية مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم، عندما كان معاليه رئيساً لمجلس إدارتها، وهي المؤسسة التي كان أحد مؤسسيها وروادها، كما تشرفت برئاسة نادي الإمارات العلمي الذي يعمل تحت مظلة الندوة، حيث كان معاليه يولي اهتماماً كبيراً بالشباب، ويؤمن بأن رعاية الموهبة العلمية والابتكار، لا تقل أهمية عن رعاية الأدب والفنون، بل إن جميعها تشكل منظومة متكاملة لبناء الإنسان.

وامتدت هذه العلاقة المهنية والفكرية إلى جامعة دبي، حيث كان معاليه عضواً في مجلس أمنائها، وتشرفت بالعمل معه بصفتي رئيساً للجامعة.

وخلال تلك السنوات، رأيت فيه رجل الدولة الذي يجمع بين الرؤية الاستراتيجية والبعد الإنساني، ويؤمن بأن الجامعة ليست مؤسسة للتعليم فحسب، بل منارة للفكر والثقافة والبحث العلمي وخدمة المجتمع.

وكانت آراؤه ومداخلاته دائماً تتسم بالعمق والاتزان، وتركز على بناء الإنسان قبل أي شيء آخر، وهي فلسفة تنسجم مع النهج الذي قامت عليه مسيرة دبي ودولة الإمارات.

وفي هذا السياق، تأتي كلمات سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، تقديراً مستحقاً لمسيرة وطنية وثقافية امتدت عقوداً، ورسالة وفاء لكل من أسهم بإخلاص في بناء الهوية الثقافية لدبي ودولة الإمارات.

كما أنها تؤكد أن القيادة الرشيدة تنظر إلى الثقافة باعتبارها شريكاً أساسياً في مسيرة التنمية، وأن تكريم المبدعين هو في جوهره تكريم للقيم التي أسهموا في ترسيخها.

كل التقدير لمعالي محمد أحمد المر، الذي سيبقى اسمه مرتبطاً بتاريخ الثقافة الإماراتية، وستظل أعماله وإسهاماته جزءاً أصيلاً من الإرث الإنساني لدبي، ومن الذاكرة الوطنية التي نفخر بها، ونورثها للأجيال القادمة.

الكاتب. د. عيسي محمد البستكي من صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى