مقالات

تحليل الخطاب وسيميائيات الثقافة

د. موزة غباش

تحليل الخطاب وسيميائيات الثقافة

 

 

 

أثناء البحث في مجالات تحليل الخطاب وسيميائيات الثقافة وإنتاج المعنى، يستوقفني سؤال قديم يتجدد كلما تغيرت أدوات الإنسان ووسائل تواصله: كيف نصنع المعنى؟.. وكيف تنتقل المعاني بين الناس واللغات والثقافات والأجيال؟..

سؤال يبدو للوهلة الأولى فلسفياً، لكنه قريب جداً من علم الاجتماع ومن تفاصيل حياتنا اليومية، لأننا نعيش داخل عالم نمنحه باستمرار دلالاته، ونبني علاقتنا به من خلال ما تعلمناه وما ورثناه وما أضفناه نحن إلى تجربته.

تصميم البيت وخصوصية اللباس واللهجة والمعاني المحلية وحتى فنجان القهوة الذي نقدمه للضيف يستطيع أن يقول أشياء كثيرة من دون كلمة واحدة، مثلاً طريقة التقديم، وترتيب الحضور، وحركة اليد، وهز الفنجان، كلها إشارات يعرف المجتمع شيفرتها، وتنتقل معرفتها عبر الممارسة اليومية..

وهنا تبدأ السيميائيات في الاقتراب من علم الاجتماع بصورة جميلة، لأنها تعلمنا أن ننظر إلى التفاصيل الصغيرة باعتبارها مفاتيح لقراءة منظومة ثقافية أوسع. وأعتقد أن «السنع» الإماراتي يقدم واحداً من أغنى الأمثلة على ذلك..

فالسنع منظومة سلوكية تحمل داخلها مفاهيم الاحترام والكرم والتقدير ومكانة الكبير والعلاقة بالضيف، ويتعلمها الإنسان من خلال وجوده داخل المجتمع ومراقبته للآخرين ومشاركته لهم.

ومن حركة صغيرة جداً يمكن للباحث أن يصل إلى طبقات واسعة من المعنى، فالعلامة تقوده إلى القيمة، والقيمة تقوده إلى العلاقات الاجتماعية، وهذه العلاقات تفتح أمامه باباً لفهم جانب من الشخصية الثقافية للمجتمع.

ويأخذنا الشعر النبطي إلى مساحة أخرى من هذه الرحلة، فالمفردة فيه تحمل آثار البيئة والتاريخ وطريقة الإنسان في رؤية الحياة، فالبحر والصحراء والنخلة والناقة والمجلس والأرض تدخل القصيدة ومعها تجارب أجيال كاملة، ولهذا يمكن قراءة الشعر النبطي أيضاً كوثيقة اجتماعية تحفظ تحول المعاني داخل المجتمع. ومن هنا أصل إلى تحليل الخطاب، حيث يصبح السؤال أكثر دقة: كيف نتحدث اليوم عن الأشياء التي ورثناها؟..

فالتراث الذي عاشه الأجداد يدخل عصرنا عبر المدرسة والمتحف والكتاب والصحيفة والتلفزيون والمنصة الرقمية، وفي كل انتقال نختار كلمات وصوراً وزوايا معينة لتقديمه..

كلمة واحدة تستطيع أحياناً تغيير موقع الشيء في وعينا، فحين نصف ممارسة بأنها «قديمة» نفتح حولها مجالاً دلالياً يختلف عن وصفها بأنها «متوارثة»، وحين نقول عن عنصر ثقافي إنه «من الماضي» فإننا نضعه في علاقة مع الزمن تختلف عن وضعه داخل مفهوم «الهوية».. وهنا تتحمل اللغة مسؤولية كبيرة، لأنها تشارك في تشكيل الطريقة التي تفهم بها الأجيال تراثها، وما الذي ستختار حمله معها إلى المستقبل.

ويزداد هذا السؤال أهمية في زمننا الحالي، حيث تتحرك الأفكار بسرعة مذهلة بين القارات، فهناك مصطلح يولد داخل جامعة في أوروبا قد يصل في اليوم نفسه إلى باحث في أبوظبي، ونظرية تناقش في مؤتمر أو ندوة دبي يمكن أن تدخل سريعاً في حوار أكاديمي صيني أو ياباني.

بينما أضاف الذكاء الاصطناعي والترجمة الرقمية قدرة هائلة على نقل النصوص والمفاهيم بين اللغات. وهنا تظهر أمامنا مفارقة تستحق البحث: سرعة انتقال الكلمة أصبحت هائلة، بينما يحتاج المعنى إلى رحلة أكثر تعقيداً.

وللعلم، أرى أن دولة الإمارات تقدم مساحة استثنائية لدراسة هذه الظاهرة.. فنحن نعيش في مجتمع يحمل هوية عربية وإماراتية راسخة، ويتفاعل يومياً مع عدد هائل من اللغات والثقافات والتجارب الإنسانية.

وفي الشارع والجامعة ومكان العمل والمؤسسة الثقافية تحدث آلاف عمليات التبادل الدلالي كل يوم، كلمات تنتقل، وعادات تُقرأ، وإشارات تُفسر، وأشخاص يتعلمون كيف يفهم بعضهم بعضاً داخل فضاء اجتماعي مشترك. هذه التجربة تمنح الباحثين فرصة مهمة لدراسة حركة المعنى نفسها: ماذا يحدث للرمز حين ينتقل إلى ثقافة أخرى؟..

وكيف يحافظ المجتمع على شيفرته الثقافية وهو يتفاعل بهذا الاتساع مع العالم؟.. تعلمت خلال تجربتي الممتدة بين الجامعة والعمل الثقافي والاجتماعي والخيري أن قوة الثقافة تظهر في قدرتها على معرفة ذاتها والتفاعل مع غيرها في الوقت نفسه..

فالإنسان الذي يفهم جذوره يستطيع أن يدخل الحوار العالمي بوعي أكبر، وأن يستمع ويقارن ويتعلم، ثم يعود إلى تجربته بأسئلة جديدة. ومن هذه الحركة بين الذات والآخر تنمو المعرفة، وتتسع الثقافة، ويصبح الاختلاف نفسه مصدراً لإنتاج أفكار جديدة.

 

 

مقال للكاتبة: د. موزة غباش في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى