
لطالما جلست أمام مجموعة من المحللين في القنوات الفضائية ساخراً متهكّماً من تحليلاتهم وقراءاتهم للأحداث الحالية وما ستؤول إليه الأوضاع، ولطالما سمعت أخباراً وتابعت تقارير عن الوضع العربي بشكل عام، وعن القضية الفلسطينية بشكل خاص، لا سيّما الأخبار اليومية الخاصة باعتداءات المستوطنين، وقد وصفهم السفير الأمريكي مؤخراً بالإرهابيين، ربما لأنهم يحرقون الممتلكات وينتهكون حرمة البيوت ويقتلعون الأشجار ويعتدون على الأطفال والنساء، وهي أحداث معلنة، والبعض يقول إن ما خفي كان أعظم. إضافة إلى معلومات وأخبار وتقارير تبثها وسائل الإعلام التي تُعد بعشرات الآلاف في العالم حول النازحين والممارسات العنصرية والبطش باسم الدين، والاتجار بالبشر وغير ذلك، ومن يرصد النتيجة فسيجدها صرخة في الفراغ، ملايين الساعات من البث تضيع في الهواء من دون أي تأثير لخبر أو تقرير أو تحليل أو مظاهرة، وهذه المقاربة تقودنا إلى نقاش حول جدوى الإعلام بكل تصنيفاته وأشكاله التقليدية والرقمية.
الرأي المقدّر لوظيفة الإعلام يقول إن وسائل الإعلام لا تبث أخبارها وتحليلاتها في فراغ، بل تتوجه إلى جمهور مختلف مثل الجمهور العام، والنخب السياسية، فبعض التحليلات المعمقة تُكتب لتُقرأ من قبل صانعي القرار، والدبلوماسيين، والباحثين. وهذا الرأي يرى أن أهمية الإعلام تكمن في التوثيق، فلا يُمحى من الوعي الجمعي، والتأطير الرمزي حيث يضع الإعلام الحدث في إطار أخلاقي أو سياسي، حتى لو لم يغيّر الواقع، فهو يرسّخ صورة الظالم والمظلوم. ويتحدث أصحاب هذا الرأي عن التأثير البطيء حيث يخلق التكرار المستمر لهذه الأخبار تراكماً في الرأي العام، وأحياناً يعيد إنتاج الشرعية، فهو لا يغيّر الظالم، لكنه يمنع تبرير أفعاله، أي أن الإعلام يشبه المرآة، لا تغيّر الملامح، لكنها تمنع إنكارها.
أما الرأي الآخر فيناقش في أنه حتى لو تم توثيق المعلومة، وتكرارها، فإن الحصول على نتيجة بطيء للغاية، خاصة مع وجود عامل خطِر وهو تقادم الزمن، وظهور أجيال جديدة، وسقوط الأحكام، وهذا يعني أن المعلومة والرأي والتقرير ليسوا أكثر من صراخ في فراغ، لأنه لم يترجم المعلومة إلى فعل سياسي أو قانوني، ويدعم أصحاب الرأي موقفهم المستند إلى اللاجدوى في الحاضر، بتقادم الزمن، حيث تتراكم الأخبار وتفقد حدّتها، بينما الأجيال الجديدة تنشأ على واقع جديد، قد لا يحمل نفس الذاكرة أو الغضب، وهنا مبدأ غياب المحاسبة، فالإعلام يوثّق لكن من دون مؤسسات قضائية أو سياسية قادرة على تحويل التوثيق إلى مساءلة، حيث يبقى الخبر معلّقاً. إضافة إلى تشويش السرديات، فكثرة الأصوات بين إعلام موضوعي وآخر منحاز، تجعل الحقيقة نفسها محل نزاع، فيتوه المتلقي بين روايات متناقضة.
ويطرح الرأي الأول مرة أخرى فكرة عجز الإعلام، فيتحدث عن نكبة الفلسطينيين التي وقعت في عام 1948، ولا تزال تشهد تراجعات بشكل يومي، حتى مع إنشاء سلطة وطنية، ويشير إلى مسألة أخرى، فما حدث في غزة من مجازر ودمار ونزوح حشد وسائل الإعلام في العالم، فخرجت المظاهرات في كل عاصمة، لكن النتيجة أن غزة تعاني اليوم من دمار يصل إلى 95% في الحجر والبشر، فماذا فعل الإعلام، الذي فشل في أن يكون أداة للتغيير وحفظ حقوق وإنسانية الإنسان، واكتفى بالادّعاء أنه لعب دوراً محورياً في إبقاء القضية الفلسطينية حيّة عالمياً، لأنه في الواقع، ظل محاصراً بين صراع السرديات، والهيمنة الغربية، والدعاية الإسرائيلية، ما جعله عاجزاً عن تحويل التوثيق إلى مساءلة قانونية أو سياسية مباشرة، لأن القرار السياسي مرتبط بموازين القوى الدولية لا بالخطاب الإعلامي، ما يعني أن الإعلام قد يرفع الصوت عالياً، لكن الواقع يزداد قسوة. هنا يظهر التناقض بين قوة الصورة وضعف الفعل السياسي.
السؤال الذي يفرض نفسه على الموقفين هو: هل الإعلام في حاجة إلى صياغة استراتيجياته من جديد بحيث يصبح أقوى تأثيراً، ويقف حائلاً ضد انتشار اليأس في العالم؟ وهذا السؤال يستند إلى واقع يقول إن الفكرة عاجزة عن التصدي للدبابة، والكلمة تصبح عارية أمام المسيّرات وأنظمة التجسّس. لهذا لا بد من انتقال الإعلام من كونه ناقلاً للفظائع، إلى إعلام منظم، يربط التوثيق بحملات قانونية وسياسية تضغط على المؤسسات الدولية، من خلال قنوات تمر بالإعلام الاستقصائي، والإعلام القانوني، والإعلام الرقمي الشبكي، والإعلام السردي الطويل المدى. وفي النهاية التعامل مع الإنسان بوصفه مشروعاً حضارياً طويل المدى، من خلال حفظ الذاكرة الجمعية، والإبداع الثقافي، والتعليم والوعي.
وهذه الفكرة تصطدم باتساع المدى وتشعّب الفضاء الافتراضي الذي بدأ يفرض منظومة قيمه، ويفسد الأجيال بطريقة احترافية. وهذا الاصطدام هو الذي يفرض إعادة تقييم المسيرة الإعلامية والاستراتيجيات التربوية، فهذا الخراب حدث بعد انفصال التعليم عن التربية والإعلام عن الشخصية الحضارية للإنسان، فالإعلام لا يتعامل مع ما هو كائن، كما يحدث الآن، بل مع ما يجب أن يكون، أي الإنسان بوصفه مشروعاً حضارياً، حتى لا يصبح الإعلام صرخة في الفراغ، والإنسان فراغاً في جسد الفكرة.
الكاتب. عبدالله السويجي من صحيفة الخليج.



