
بعض من أعرف بدأ يصر على شرب الماء من الحنفية، وليس من زجاجات المياه المعدنية، سألت فقيل إنهم قرأوا في وسائل الاتصال أن المياه المعبأة تنقصها بعض الأملاح!.. لم يكن ذلك صحيحاً بعد عودتي إلى المراجع العالمية، ظاهرة لا تلفت نظري فقط، بل تحيرني، وربما تفزعني أحياناً.. أسمي من يطلقها «خبراء اللحظة»..
تجدهم في وسائل التواصل الاجتماعي منهمكين في تضليل الجمهور، الأمر أصبح في بعض جوانبه أخطر من مجرد ترويج أو صورة جرى التلاعب بها، نحن أمام أشخاص يقدمون أنفسهم أصحاب معرفة في كل ما يخطر على البال.
أحدهم يبعث لك نصيحة عن أفضل دواء للتخسيس، ثم لا يلبث أن ينصحك بشراب يقول إنه مناسب لمرضى السكر، وأخرى لديها وصفة مجربة للنوم السريع، أما الأدنى من ذلك فتلك الوصفات التي تعالج البواسير ببخاخ، أو مرضاً جلدياً بلصقة مأخوذة من نوع من الأعشاب، أو أن يقول لك هناك خمس إشارات تعرف أن الأخير يحبك!
تقرأ وتشاهد، ثم تسأل نفسك: ماذا حدث لنا؟.. متى أصبحت الخبرة بهذه السهولة؟.. ومن أعطى هؤلاء رخصة لنصح الآخرين وبالأحرى تدمير حياتهم؟.. المشكلة ليست في تبادل التجارب.. البشر فعلوا ذلك دائماً، والجدة كانت تنصح، والصديق يقترح، والجار يروي تجربته.
. الفرق أن النصيحة قديماً كانت شخصية، أما اليوم قد تصل نصيحة من شخص لا يعرفه أحد إلى مئات الآلاف من الناس، ويكفي أن يقدمها بصوت واثق، حتى تتحول عند البعض إلى حقيقة.
هنا تكمن خطورة «خبير اللحظة». فهو أو هي في الغالب لا يقول: هذه تجربتي وقد لا تناسبك.. إنه يتحدث بلغة الطبيب أو الاقتصادي أو المحلل السياسي.. وربما الأخطر أنه لا يعرف أنه لا يعرف.
والظاهرة لا تقف عند الصحة.. تقع أزمة سياسية فيظهر خلال ساعات جيش من خبراء الاستراتيجية.. تبدأ حرب فنعرف فوراً من سينتصر ولماذا ومتى يتحرك سعر النفط،؟ فيشرح لنا خبير اللحظة مستقبل الاقتصاد العالمي.. وفي اليوم التالي ينتقل الشخص نفسه إلى التربية، أو العلاقات الدولية، وكأن المعرفة حقيبة صغيرة يحملها معه من موضوع إلى آخر.
وسائل التواصل لم تخترع الجهل، لكنها ضخمته بالتكرار، كما أن تلك الوسائل لا تسأل صاحب الرأي عن شهادته أو تجربته، متروك ذلك لفطنة المتلقي، والذي كثيراً ما يأخذ المعلومة كما هي.. المهم عدد المشاهدات «خبير اللحظة» لا يقدم الدليل، وعدد المتابعين شهادة، بالثقة في الكلام ودليل على صحته.
وهنا أتذكر ما كتبه الروائي الياباني، هاروكي موراكامي، في كتابه الشيق «مهنتي هي الرواية»، عندما توقف عند المفاضلة بين عدد القراء ونوعيتهم، كان المعنى الذي أراد تأكيده أن كثرة القراء ليست هي المعيار الذي يشغله، وهي ملاحظة تبدو أكثر أهمية اليوم، لأننا أصبحنا نقيس قيمة ما يقال بعدد المشاهدات والمتابعين والإعجابات.
مليون مشاهدة لا تحول الخطأ إلى حقيقة، كما أن قلة متابعي صاحب المعرفة، لا تجعل معرفته أقل قيمة، هنا وقعنا في واحد من أكبر أوهام عصر وسائل التواصل: خلطنا بين الانتشار والمصداقية، وبين الشهرة والإعلان المدفوع. الغريب أننا نعيش في زمن أصبحت فيه المعرفة الحقيقية أقرب إلينا من أي وقت مضى..
نستطيع خلال دقائق الوصول إلى مراجع أو دراسة علمية أو طبيب أو متخصص.. ومع ذلك نختار أحياناً شخصاً مجهولاً يقول لنا في مقطع قصير: «جربوا هذه الوصفة تصحوا».. لا أطالب بمنع الناس من الكلام، ولا بتحويل وسائل التواصل إلى قاعات جامعية..
تبادل التجارب مفيد، لكن ربما نحتاج إلى إعادة الاعتبار لعبارة بسيطة تراجعت كثيراً في حياتنا العامة: «لا أعرف»!.. فالإنسان الذي يعرف حدود معرفته، أكثر حكمة ممن يملك جواباً لكل سؤال.
مقال للكاتب: محمد الرميحي في صحيفة البيان.



