
مع إشراقة عام دراسي وأكاديمي جديد، تعود البيوت إلى إيقاعها المنظم، وتستعد المدارس والجامعات لاستقبال طلبتها، وتنشغل الأسر بالجداول والكتب والحقائب وتفاصيل البداية، وأنا أنظر إلى هذا المشهد من زاوية علم الاجتماع، أجد في العودة إلى مقاعد الدراسة فرصة سنوية لإعادة التفكير في علاقة التعليم بالهوية.
وفي المساحة التي يستطيع تراثنا الإماراتي أن يشغلها داخل حياة الطالب اليومية، فالتعليم يصنع المعرفة، ويشارك في تشكيل الشخصية وطريقة التعامل مع الناس والمكان والمجتمع.
وقد اتفقنا في مقالات سابقة على فكرة أحب العودة إليها دائماً: التراث كائن حي يتنفس من خلال سلوك الناس واختياراتهم.. والمدرسة من أكثر الأماكن قدرة على منح هذه الفكرة حياة حقيقية، لأن الطالب يقضي فيها سنوات تكوينه الأولى..
وفي مجتمع الإمارات المتنوع ثقافياً، تقدم البيئة التعليمية للطالب الإماراتي مساحة لفهم جذوره، وتمنح الطالب المقيم فرصة يومية للتعرف إلى ثقافة المجتمع، وتخلق بينهما لغة إنسانية مشتركة تبدأ بالمعرفة والاحترام.
ولنبدأ من «السنع»، لأنني أراه من أجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا مع بداية العام الدراسي.. فالسنع منظومة دقيقة تعلمنا كيف نتحدث ونصغي ونحترم الكبير ونقدر صاحب العلم ونراعي المكان ومن حولنا..
وقد عرف مجتمعنا قديماً مكانة «المطوّع» والمعلم، ونشأت حول العلم آداب اجتماعية واضحة.. ويمكن لهذه القيم أن تدخل البيئة التعليمية الحديثة عبر احترام المعلم، وحسن الزمالة، والانضباط، وأدب الحوار والمسؤولية عن الكلمة.. وحتى العالم الرقمي يحتاج إلى السنع في طريقة الكتابة والتعليق والاختلاف واحترام الآخرين.
وحين أتأمل المسافة التي قطعها التعليم في الإمارات، أشعر أن الأجيال الجديدة تحتاج إلى معرفة هذه الرحلة.. كانت البدايات مع المطوّع والكتاتيب وحفظ القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة، ثم اتسعت المدارس وتأسست الجامعات ودخلت المختبرات والتقنيات الحديثة، ووصل أبناؤنا اليوم إلى الذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء والتخصصات المتقدمة..
تخيلوا حجم الرحلة بين حصير الكُتّاب وشاشة الطالب الذكية اليوم.. معرفة هذه المسافة تزرع الامتنان، وتمنح الطالب وعياً بالمسؤولية تجاه الفرص الهائلة المتاحة أمامه.
وتحمل العودة إلى المدارس أيضاً شيئاً من «الزهبة» التي يعرفها المجتمع الإماراتي جيداً.. فالاستعداد للمواسم كان فعلاً اجتماعياً تشارك فيه الأسرة وتمتد حوله دوائر التعاون..
ويمكن استعادة هذه الروح عبر تبادل الكتب والمستلزمات الصالحة، ومساندة الأسر المتعففة، وتنظيم مجموعات تطوعية لمساعدة الطلبة.. وهنا تظهر «الفزعة» في صورتها المعاصرة، طالب يساعد زميله، وأسرة تسند أسرة، ومؤسسة تفتح باباً للتطوع، ومجتمع يدرك قيمة التعليم في مستقبل أبنائه.
ويمكن للهوية أن تحضر أيضاً في تفاصيل المكان والحياة المدرسية.. فالزي الإماراتي يحمل تاريخاً وذائقة اجتماعية وسنعاً في طريقة ارتدائه، والتعرف إلى دلالات الكندورة والعباءة والغترة يفتح أمام الطلبة من الثقافات الأخرى باباً لفهم المجتمع الإماراتي..
وحتى الحقيبة المدرسية تستطيع أن تحمل شيئاً من ذاكرة الإمارات، فالتمر والدبس وخبز الرقاق تفتح حواراً مع الأبناء حول الغذاء والبيئة والزراعة وأنماط الحياة، ويمكن للفعاليات المدرسية أن تجمع المائدة الإماراتية بأطعمة الثقافات المختلفة في تجربة جميلة للتعارف.
وأتمنى أن نفكر كذلك في المكان التعليمي نفسه، فلماذا تبقى معرفة الطالب بالعريش والبرجيل والمجلس التقليدي داخل صورة في كتاب؟..
يمكن لمساحة صغيرة في المدرسة أن تمنح الطلبة تجربة حقيقية مع هذه العناصر، ومنها تبدأ أسئلة علمية كثيرة، فالعريش يفتح الحديث عن مواد البناء، والبرجيل عن حركة الهواء، والأفلاج عن إدارة المياه، والنخلة عن الزراعة والاستدامة.. وهكذا يلتقي التراث بالفيزياء والبيئة والهندسة والتاريخ داخل تجربة تعليمية واحدة.
وتملك الألعاب الشعبية قدرة مشابهة على تحويل المعرفة إلى تجربة. «المريحان» و«الكرابي» و«عظيم الساري»، تحمل الحركة والتعاون والذكاء الاجتماعي.
بينما تفتح الفروسية والصقارة واليولة نوافذ على تاريخ الإنسان الإماراتي وعلاقته بالبيئة، والطالب الذي يشارك زملاءه لعبة تراثية يتعرف إلى الثقافة من داخلها، وتتحول المعرفة لديه إلى حركة وذكرى وصداقة.
ومن منظور علم الاجتماع، أرى هنا إحدى أهم وظائف التعليم في الإمارات أن يتعلم الطالب علوم عصره وهو قادر على قراءة المجتمع الذي يعيش فيه، وأن يمتلك أدوات المستقبل ومعها ذاكرة تساعده على فهم الطريق الذي أوصله إليه، تستطيع مدارسنا وجامعاتنا صناعة هذه العلاقة كل يوم عبر السلوك والمكان والطعام واللغة واللعب والعلاقات الإنسانية.
ومع بداية العام الدراسي والأكاديمي، أتمنى أن يحمل أبناؤنا معهم حقيبة أوسع من تلك التي نراها على أكتافهم، حقيبة تجمع كتاباً يفتح أمامهم المستقبل، وذاكرة تعرفهم إلى الطريق الذي جاءوا منه، وبين الاثنين تنمو شخصية قادرة على التعلم والانفتاح والإبداع، وتحمل معها شيئاً أصيلاً من الإمارات أينما ذهبت.
مقال للكاتبة: د. موزة غباش في صحيفة البيان.



