مركز أبوظبي للغة العربية يستعيد إرث جابر جاسم في تجربة فنية متكاملة

مع اقتراب انطلاق الدورة الـ35 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، يقدّم مركز أبوظبي للغة العربية، السبت المقبل 12 سبتمبر ، أمسية فنية بعنوان “نسيتونا حبايبنا”، احتفاءً بإرث المطرب الإماراتي الراحل جابر جاسم، أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل ذاكرة الأغنية الإماراتية، وترسيخ حضورها في المشهد الفني العربي. وتأتي الأمسية في سابقة تهيئ لانطلاق الموسم الثقافي الذي يتوجه المعرض، ما يعكس اتساع نطاق الفعاليات التي تحتفي بالهوية والذاكرة الثقافية الإماراتية.
وبالتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لرحيله، تقام الأمسية على مسرح المجمع الثقافي في أبوظبي، مقدمة تجربة فنية تتجاوز مفهوم الحفل الموسيقي التقليدي، لتجمع الموسيقى الحية بالسرد البصري والمواد الأرشيفية والأفلام القصيرة، ضمن معالجة معاصرة تستعيد أبرز المحطات في مسيرة جابر جاسم، وتعيد تقديم تجربته الفنية إلى الأجيال الجديدة بلغة تجمع بين الأصالة والابتكار.
وتبدأ رحلة الجمهور منذ وصوله إلى المجمع الثقافي، حيث تستحضر التصاميم والعناصر البصرية أجواء السبعينيات والثمانينيات، من خلال تفاصيل مستوحاة من الذاكرة الفنية لتلك المرحلة، إلى جانب مساحات تفاعلية تتيح للجمهور التفاعل والتصوير وصناعة المحتوى، بما يحول الفعالية إلى تجربة متكاملة تتجاوز حدود العرض المسرحي.
وعلى خشبة المسرح، تتكامل الموسيقى مع السرد البصري لاستعادة جوانب من حياة الفنان وإرثه. ويتضمن البرنامج فيلمين قصيرين؛ يتناول الأول بدايات جابر جاسم ورحلته في البحث عن القصائد والألحان وتطوير تجربته الغنائية، فيما يستعيد الثاني تجربته في القاهرة، وتطور موسيقاه، وتسجيل عدد من أعماله المهمة.
وتشهد الأمسية كذلك تقديم أغنية جديدة باللغة العربية الفصحى، تستلهم أجواء أعمال جابر جاسم وروحها الموسيقية، في رؤية فنية معاصرة تحافظ على خصوصية إرثه وتمنحه مساحة جديدة للتواصل مع الجمهور، ما يؤكد أن استعادة الذاكرة الفنية لا تقتصر على التوثيق، وإنما يمكن أن تشكل مدخلاً لإعادة قراءة التراث وتقديمه للأجيال الجديدة.
وتأتي الأمسية في سياق الدور الذي يضطلع به المركز في صون الذاكرة الثقافية والفنية وإبراز رموزها للأجيال الجديدة، عبر تقديم مبادرات نوعية تعزز الهوية الثقافية الإماراتية، وتصل الذاكرة الوطنية بالتجارب الفنية المعاصرة.
إلى ذلك، قال سعادة سعيد حمدان الطنيجي، المدير التنفيذي لمركز أبوظبي للغة العربية، مدير معرض أبوظبي للكتاب: “رسّخ الفنان الراحل جابر جاسم مكانته في ذاكرة ووجدان المجتمع الإماراتي، والخليجي، والعربي بما قدّم من إبداعات خلّدت مسيرته الفنية، وجعلته واحداً من أبرز الأسماء في الساحة الفنية، والموسيقية، فهو فنان امتلك عذوبة الصوت، ورهافة الإحساس، وذائقة شعرية رفيعة مكنته من تقديم الكلمة القيّمة القادرة على التعبير والتأثير، فصنع لنفسه مساحة فنية رحبة، جمعت ما بين أصالة الهوية الإماراتية، وجزالة القصيدة العربية، وأسهم في تقديم أعمال غنائية، عكست روح المجتمع، وعبّرت عنه، وتعمّقت في ذاكرته”.
روّاد الفنّ الإماراتي
وأكد سعادته أن الاحتفاء بهذه القامة الفنية الكبيرة يؤكد حرص مركز أبوظبي للغة العربية على تثمين مسيرة روّاد الفنّ الإماراتي وكذلك العربي، وصون منجزاتهم، وإبداعاتهم، وتعريف الأجيال الجديدة على إسهاماتهم، وأدوارهم التي أسهمت في الارتقاء بالمشهد الثقافي والفنّي لدولة الإمارات، مشيراً إلى أن الحفل يتيح للجمهور فرصة لاستعادة مجموعة من أجمل أعمال الفنان الراحل، والاستمتاع بها بروح معاصرة، تحفظ حضورها، وتوثّق قيمتها الإبداعية في نفوسهم.
ويشارك في الأمسية الفنانون أريام، وسلطان السامرائي، وعلي الربيعة، ومحمد سالم، وفيصل الساري، وخليفة الحوري، وماجد جميل، ليقدموا مجموعة من أشهر أعمال جابر جاسم مثل “آه يا ويلي من تصاويبك”، و”غزيل فله”، و”عيونك تجبر الخاطر”، و”سيدي يا سيد ساداتي”.
ويضم فريق العمل المؤلف والمخرج المسرحي ناجي الحاي، والسينارست والسينمائي محمد حسن أحمد، والفنان الموسيقي فيصل الساري، والباحث والشاعر علي العبدان.
وتكتسب الأمسية، أهمية خاصة مع اقتراب انعقاد الدورة الـ35 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، الذي يمثل إحدى أبرز المنصات الثقافية في الدولة للاحتفاء بالكتاب، والمعرفة والتراث والإبداع.
ومن خلال استعادة تجربة جابر جاسم، تفتح “نسيتونا حبايبنا” نافذة على جانب من الذاكرة الفنية الإماراتية، وتقدمها في قالب معاصر يربط الأرشيف بالموسيقى والتقنيات البصرية، ويجعل الإرث الثقافي مادة حية قابلة لإعادة الاكتشاف والتفاعل عبر الأجيال.
ولا تستعيد “نسيتونا حبايبنا” أغنيات جابر جاسم فحسب، بل تقدم رحلة في ذاكرة الأغنية الإماراتية، تلتقي فيها الموسيقى بالأرشيف والحنين والتقنيات الحديثة، لتعيد اكتشاف إرث فني راسخ، وتؤكد أن الاحتفاء بالرموز الثقافية يمكن أن يكون جسراً بين الذاكرة الوطنية وحيوية المشهد الثقافي المعاصر.
من دلما بدأت الحكاية
ولد جابر جاسم في جزيرة دلما في العام 1952، ونشأ في بيئة حملت أصوات البحر والشعر والموروث الشعبي. ومع بداياته الفنية أخذ يبحث عن صيغة موسيقية تحمل خصوصية المكان وتمنح الأغنية الإماراتية مساحة أوسع للحضور.
وفي السبعينيات، كانت القاهرة إحدى المحطات المهمة في رحلته، حيث اتسعت معرفته بالموسيقى والتلحين والتوزيع، قبل أن يعود إلى موطنه الإمارات حاملاً تجربة أسهمت في تطوير لغته الموسيقية، مع احتفاظه بالقصيدة المحلية، وإيقاعاتها ولهجتها في قلب مشروعه الفني.
وعلى امتداد مسيرته، ارتبط جابر جاسم بكلمات عدد من أبرز شعراء الإمارات، وغنى قصائد للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إلى جانب الماجدي بن ظاهر، وأحمد بن علي الكندي، وعوشة بنت خليفة السويدي، وسعيد بن عتيج الهاملي، وعفراء بنت سيف المزروعي، وسالم الجمري، وسالم سيف الخالدي، وغيرهم.
ومن خلال هذه العلاقة بين الشاعر والملحن والمطرب، تشكّل جانب مهم من تجربة جابر جاسم؛ فكانت القصيدة بالنسبة إليه بداية الأغنية، وكان اللحن مساحة يمنح من خلالها الكلمة الإماراتية قدرة أكبر على السفر والوصول.
وحققت أعماله حضوراً تجاوز دولة الإمارات إلى الخليج والعالم العربي، وأصبحت مجموعة من أغنياته جزءاً من الذاكرة الموسيقية للمنطقة، وأعاد عدد من الفنانين العرب والخليجيين تقديم أعماله عبر أجيال مختلفة، في دلالة على قدرة تلك الألحان والكلمات على العبور من زمن إلى آخر.




