ابنة الإمارات ترسم ملامح المستقبل عبر بوابة الذكاء الاصطناعي
في عالم يتسارع فيه تطوّر الذكاء الاصطناعي، لم تعد مشاركة المرأة الإماراتية في مجالات العلوم والتكنولوجيا مجرد حضور لافت، بل أصبحت إسهاماً فاعلاً في إنتاج المعرفة وصناعة المستقبل، مستفيدة من منظومة وطنية جعلت التعليم والبحث العلمي والابتكار ركائز أساسية لمسيرة التنمية.
ومن بين النماذج الإماراتية التي اختارت البحث العلمي مساراً مهنياً وشغفاً معرفياً، تبرز الأستاذة حنان الدرمكي، مدير مركز التعلم والتعليم وأستاذ مساعد في قسم معالجة اللغة الطبيعية بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، التي تمثل تجربتها نموذجاً لمسيرة إماراتية جمعت بين التحصيل العلمي المتقدم والبحث الأكاديمي والإسهام في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقالت الدرمكي، في تصريحات لوكالة أنباء الإمارات “وام” إن المرأة الإماراتية أصبحت اليوم، بفضل دعم ورعاية القيادة الرشيدة، أمام فرص عديدة لمتابعة التعليم المتقدم وبناء مسيرة مهنية في البحث العلمي والذكاء الاصطناعي داخل الدولة، مشيرة إلى تزايد إقبال الطلبة الإماراتيين على هذا المسار.
وتجسد مسيرة الدرمكي جانباً من هذا الدعم والرعاية ، فقد أكملت دراساتها العليا في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، قبل أن تعود إلى الدولة حاملة معها هذه الخبرات، لتبني مسيرتها في البحث والتدريس، وتسهم في جعل هذا المسار أكثر وضوحاً وقرباً من الطلبة الإماراتيين الطامحين إلى خوض غماره.
وأصبحت الدرمكي عند انضمامها إلى جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي عام 2022، أول امرأة وأول إماراتية تنضم إلى الهيئة التدريسية في الجامعة، لتواصل اليوم أبحاثها وتدريسها والإشراف على الجيل القادم من باحثي الذكاء الاصطناعي، إلى جانب قيادتها مركز التعلم والتعليم في الجامعة.
ويعكس حضور المرأة الإماراتية في هذا المجال اتجاهاً متنامياً، إذ تمثل الطالبات 54 % من إجمالي الطلبة الإماراتيين المنضمين إلى الجامعة ضمن دفعة العام الأكاديمي 2026-2027.
وترى الدرمكي أن ما وصلت إليه المرأة الإماراتية اليوم هو ثمرة عقود من الدعم والقيادة الحكيمة، التي أدركت أهمية تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مختلف المجالات والقطاعات.
ولا يقتصر حضور حنان الدرمكي كباحثة إماراتية في عالم الذكاء الاصطناعي على البعد المهني، بل يحمل معه مسؤولية تتصل بالهوية واللغة والثقافة، فمع تزايد دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف الأنظمة والتطبيقات، تتعاظم أهمية التمثيل الدقيق للثقافات والقيم واللغات.
وفي هذا الصدد، تعتبر الدرمكي أن عملها كباحثة إماراتية يمنحها فرصة للإسهام في تمثيل لغتها الأم ومجتمعها في هذا المجال المتسارع، مشيرة إلى أن جانباً كبيراً من أبحاثها يركز على معالجة اللغة الطبيعية والكلام باللغة العربية المحكية.
وينطوي هذا المجال على تحديات علمية حقيقية، نظراً إلى التنوع الكبير في اللهجات العربية، فيما تتخذ “اللغة المحكية” في دولة الإمارات أشكالاً مختلفة الأمر الذي جعل رصد هذه الفروق الدقيقة محوراً أساسياً في عملها من خلال “مختبر رمسة”، المبادرة الوطنية المعنية بتوثيق اللهجات الإماراتية المحكية في مختلف أنحاء الدولة.
وأوضحت الدرمكي أن هذا العمل لم يتوقف عند حدود توثيق اللغة، إذ إن جانباً كبيراً من التراث غير المادي الإماراتي يتناقل شفهياً، ولذلك فإن توثيق اللغة يعني أيضاً توثيق مجموعة متنوعة من القيم والممارسات الثقافية فضلاً عن توفير الموارد ووضع الأسس اللازمة لتطوير تقنيات لغوية تمثل اللغة والثقافة الإماراتية بصورة أكثر دقة.
وأكدت أن جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي توفر فرصاً متعددة للإماراتيين في مختلف مراحل التعليم والمسيرة المهنية، بدءاً من برامج البكالوريوس في الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى مرحلتي الماجستير والدكتوراه، حيث تتاح للطلبة فرصة إجراء أبحاث متقدمة والتعاون مع مختلف القطاعات.
وفي إطار توسيع هذه الفرص، أطلقت الجامعة مؤخراً برنامج “زمالة روّاد الذكاء الاصطناعي للباحثين (RAIS Fellowship)، الذي يتيح للباحثين الإماراتيين الحاصلين على درجة الدكتوراه فرصة ممولة بالكامل لإجراء أبحاث ما بعد الدكتوراه لمدة عامين في مؤسسات بحثية عالمية رائدة، بما يسهم في إعداد جيل جديد من أعضاء هيئة التدريس والقيادات البحثية الإماراتية.
وبمناسبة يوم المرأة الإماراتية، وجهت الدرمكي رسالة إلى الفتيات اللواتي يطمحن إلى أن يصبحن عالمات وباحثات في مجال الذكاء الاصطناعي، دعتهم خلالها إلى إدراك أن ما يمتلكنه من معرفة وقدرات فكرية هو أثمن ما لديهن، وإلى مواصلة التعلم وبناء فهم عميق للمجالات التي يدرسنها ويعملن فيها، لأن الإلمام بلغة المجال التقني ومفاهيمه لا يتيح للمرأة المشاركة فيه فحسب، بل يمنحها القدرة على الإسهام في تشكيل مساره وتوجيه تطوره.
وأكدت الدرمكي أن التكنولوجيا، بما فيها الذكاء الاصطناعي، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما أداة لخدمة الإنسان وتعزيز ازدهاره، وأن المسؤولية المشتركة تتمثل في تسخيرها لبناء مستقبل مستدام ومزدهر. وام.




