مقالات

الذكاء الاصطناعي يعرف أسرارنا.. فمَن يراقبه؟

د كمال عبدالملك

الذكاء الاصطناعي يعرف أسرارنا.. فمَن يراقبه؟

قرأتُ في تقرير نشرته «هارفارد غازيت» في 21 سبتمبر 2026 أن شركات الذكاء الاصطناعي باتت تكتب «دساتير» لنماذجها. توقّفتُ عند الكلمة: دستور للآلة؟ نحن نُدخل إليها رسائلنا الخاصة ووثائق عملنا، ونطلب منها أحياناً أن تتصرّف نيابةً عنا. فهل تكفي قواعد مكتوبة لضبط ما تفعله بهذه الثقة التي وضعناها فيها؟

حين دعا توماس جيفرسون إلى تقييد الإنسان بالدستور حتى لا يسيء استعمال سلطته، كان يفكّر في الحاكم الذي قد يطغى إذا تُرك بلا قيود. لم يكن يتخيّل آلةً تحتاج هي الأخرى إلى ما يحدّ أفعالها. واليوم تضع الشركات أمام نماذجها تعليمات تبدو واضحة: لا تخدعي مستخدمك، لا تعيني أحداً على جريمة، وإذا أراد إيقافك، فلا تعترضي. لكن المسافة بين كتابة الأمر وطاعته هي موضع القلق؛ ففيها قد يخرج سرّ من ملف، أو تقع خطوة لم يقصدها صاحبها، قبل أن تمتدّ يد بشرية للعبث بها.

نشرت «أنثروبيك» دستوراً من 84 صفحة لنموذجها «كلود»، وأصدرت «مايكروسوفت» مدوّنة سلوك لنماذجها. تبدو الفكرة مطمئنة: نحيط القوة الجديدة بسياج من القواعد. لكن الكلمات المكتوبة لا تمسك دائماً بيد الآلة وهي تعمل.

في واقعة كشفتها «أنثروبيك»، تعامل أحد نماذجها، خطأً، مع إنترنت حقيقي كأنه بيئة افتراضية، فرفع برنامجاً خبيثاً إلى مكتبة برمجية عامة. أُزيل خلال ساعة، لكن ماذا لو تأخر اكتشافه؟ وفي واقعة أخرى، استُخدم «كلود» للمساعدة في تصميم برنامج لتوجيه الصواريخ، قبل أن تحظر الشركة الحسابات المعنية. اعترف أحد مسؤوليها بأن كتابة القاعدة لا تضمن طاعتها في كل مرة.

ثم إن الخطر قد يدخل من باب نفتحُه نحن. ننسخ رسالة خاصة إلى التطبيق طالبين صياغة رد، أو نرفع إليه عقداً وملفاً طبياً وكشفاً مالياً. خلال ثوانٍ نكون قد سلّمنا أسرارنا إلى خدمة لا نعرف دائماً أين تُعالج بياناتها، ولا مَن يستطيع الوصول إليها، ولا مدة الاحتفاظ بها. لذلك ينبغي أن نسأل قبل رفع أي ملف، وأن نحذف منه الأسماء والتفاصيل الحساسة متى أمكن، وألا نضع كلمات المرور أو أسرار العمل في محادثة مع الآلة.

نحن نستخدم تقنيات لم نخترعها، وكثيراً ما لا نشارك حتى في تطويرها. لهذا نحتاج، أفراداً ومؤسسات ودولاً، إلى قدرة على فحصها ومساءلة صانعيها، وخطة لإيقافها إذا انحرفت. فالآلة التي تكتب لنا اليوم قد تتصرف نيابةً عنا غداً.

الكاتب. د. كمال عبدالملك من صحيفة الامارات اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى