مقالات

عالم ما بعد خطة التنمية المستدامة 2030

عائشة المري

التنمية

 

 

تحتفي الأمم المتحدة هذا العام بالذكرى الأربعين لإعلان الحق في التنمية، الذي اعتمدته جمعيتُها العامة عام 1986، من خلال فعاليات تستضيفها في مقرها بنيويورك وتتواصل حتى نهاية العام في العديد من مقراتها الإقليمية. وتأتي هذه الذكرى في مرحلة مفصلية يقترب فيها العالَمُ من نهاية أجندة التنمية المستدامة لعام 2030، بما تطرحه من تساؤلات حول مستقبل التنمية، وكيف يمكن أن تتطور لتستجيب لعالم أكثر تعقيداً وتسارعاً في تحولاته.

عندما اعتمدت الأمم المتحدة أجندةَ التنمية المستدامة لعام 2030، كان العالم ينظر إلى التنمية باعتبارها مساراً يمكن تنظيمه حول أهداف واضحة، تمتد من القضاء على الفقر والجوع إلى تحسين الصحة والتعليم، وحماية البيئة، وتعزيز السلام والمؤسسات. لكن العالم دخل اليوم مرحلةً لم يبقَ على الصورة التي كانت عليها عند اعتماد الأجندة. فخلال السنوات الماضية، تعرض النظام الدولي لسلسلة من التحولات والأزمات التي أعادت ترتيب الأولويات.

فكشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة المنظومات الصحية والاقتصادية العالمية، وأظهرت الحرب في أوكرانيا أن الأمن والغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد مترابطة بصورة أكبر مما كان متصوراً. كما أعادت الاضطرابات في الممرات البحرية والمناطق الاستراتيجية، التأكيدَ على أن استقرار طرق التجارة والطاقة أصبح جزءاً من استقرار الاقتصاد العالمي.

وفي الوقت ذاته لم يعد تغير المناخ قضية بيئية منفصلة. أما الذكاء الاصطناعي، فقد فتح مرحلة جديدة تتغير فيها طبيعة العمل والإنتاج والتعليم وصناعة القرار، بينما تفرض البيانات والتكنولوجيا أسئلةً جديدة تتعلق بالخصوصية والأمن والمسؤولية والعدالة في الوصول إلى الفرص. لهذا تبدو نهاية عام 2030 أكثر من مجرد موعد لانتهاء إطار زمني وضع قبل أربعة عقود من الآن. إنها لحظة لإعادة التفكير في الطريقة التي ينظر بها المجتمع الدولي إلى التنمية، لاسيما أن التحديات المقبلة ستكون كبيرة ومعقدة، وستتداخل فيها التنمية مع الأمن والمناخ والتكنولوجيا والصحة وحقوق الإنسان والاقتصاد.لقد استبقت الأمم المتحدة تلك التحديات من خلال اعتماد «ميثاق المستقبل»، الذي يطرح مسارات لإعادة بناء التعاون الدولي وتعزيز قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على التعامل مع التحولات العالمية.

وهو توجه يكشف أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أدوات أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة لعالم تتسارع فيه الأزمات والتغيرات التقنية والجيوسياسية.

ومن هنا، فإن ما بعد 2030 لن يكون بالضرورة «خطة تنمية جديدة» بالمعنى التقليدي، بقدر ما قد يكون انتقالاً إلى نموذج أكثر تكاملاً، تكون فيه قدرة الدول والمجتمعات على الصمود والتكيف والاستباق جزءاً من مفهوم التنمية ذاته. وستصبح جودة المؤسسات، وحماية الحقوق، والاستثمار في المعرفة، والقدرة على إدارة المخاطر، عناصر لا تقل أهمية عن مؤشرات النمو الاقتصادي.

وفي هذه المرحلة، ستتزايد أهمية الجامعات ومراكز البحوث التي تساعد الحكومات والمجتمع الدولي على استشراف التحولات بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها. فالعالم يحتاج إلى سياسات تُبنى على قراءة مبكرة للاتجاهات، وليس فقط على الاستجابة للأزمات بعد وقوعها.

إن انتهاء أجندة 2030 لا يعني انتهاء أجندة التنمية المستدامة، بل بداية لمرحلة جديدة تتجاوز حدودها التقليدية.. مرحلة يصبح فيها الإنسان، والقدرة على حماية حقوقه، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود، وإدارة التكنولوجيا والموارد والمخاطر، محوراً لإطار دولي جديد.

فالعالم بعد 2030 لن يكون نسخة من العالم الذي صيغت له أجندة التنمية المستدامة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي سيكون في صياغة رؤية أكثر حداثة تستجيب للعالم الذي تشكل بالفعل، وتستعد للعالم الذي لم يصل بعد، وتتناسب مع حجم ودرجة التغيرات التي يسعى العالم لاستشرافها.

كاتبة إماراتية

مقال للكاتبة: عائشة المري في صحيفة الاتحاد.

زر الذهاب إلى الأعلى