
وأنا أقرأ القرآن بجوار أمي، وهي مسجّاة في كفنها، مرّ أمامي شريط طويل من العمر. لم أتذكر موقفاً واحداً، بل تذكرت حياة كاملة من العطاء؛ كم من وقتها أعطتني! وكم من جهد بذلت! وكم استهلكت من مشاعرها وبدنها وراحتها، لأكون أنا وإخوتي ما نحن عليه اليوم!
تذكرت نصائحها، ودعواتها، وتشجيعها، وغرسها للأهداف في نفوسنا، ومحاولاتها الدائمة أن تطمئننا حتى عندما تكون هي من يحتاج إلى الطمأنينة. وتذكرت تلك التفاصيل الصغيرة التي ربما مررنا بها يوماً دون أن ندرك قيمتها، ثم نكتشف بعد غياب الأم أنها لم تكن تفاصيل عابرة، بل كانت نعماً تحيط بنا كل يوم.
الأم تشعر بألم ابنها قبل أن ينطق به، وأحياناً قبل أن تراه. كم مرة ضاق بنا أمر، فإذا بها تتصل فجأة لتطمئن علينا، وكأن قلبها أخبرها بما لم تخبرها به كلماتنا! وكم مرة سبقت دعواتها خطواتنا، وفتحت لنا أبواباً ربما لم نعلم يوماً أن دعاء أم كان يقف خلفها!
الأم باب من أبواب الخيرات؛ وجودها بركة، ودعاؤها نعمة، ورضاها سكينة، وصوتها أمان، ونصيحتها زاد، ومهما كبر الأبناء، ومهما حققوا، يبقى في نجاحاتهم شيء من أم سهرت، ودعت، وشجعت، وصبرت، وآمنت بهم في أوقات ربما لم يؤمنوا فيها بأنفسهم.
ولعل أجمل ما يمكن أن ندركه من نعمة الأم ألا ننتظر فقدها لنعرف قدرها. من كانت أمه معه اليوم، فليبادر إلى برها، ولا يؤجل اتصالاً، ولا زيارة، ولا جلسة، ولا كلمة حب، ولا قبلة على رأسها، ولا فرصة لإدخال السرور إلى قلبها. لنسألها ماذا تحتاج، ولنمنحها من وقتنا كما منحتنا عمرها، ولنسمع حديثها كما سمعت تفاصيل أيامنا مراراً.
رحم الله أمي وأمهاتكم الراحلات، وحفظ من بقي من أمهاتكم وأطال أعمارهن، فبعض النعم حين ترحل، ندرك كم كانت تملأ حياتنا، ونتمنى لو عاد بنا العمر لنمنحها المزيد.
نائب مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية – قطاع الخدمات المساندة
مقال للكاتبة: الدكتورة سميرة النعيمي في صحيفة الإمارات اليوم.



