دبي

شرطة دبي تُعد دراسة تستشرف مستقبل الاحتيال في عصر الذكاء الاصطناعي

شرطة دبي تُعد دراسة تستشرف مستقبل الاحتيال في عصر الذكاء الاصطناعي

 

 

في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تشهد أنماط الاحتيال حول العالم تحولات مُتسارعة، سواء في الأدوات المستخدمة أو طرق الوصول إلى الأفراد والمؤسسات، الأمر الذي جعل فهم هذه المتغيرات ورفع مستوى الوعي بها جزءا أساسياً من تعزيز الحماية المجتمعية والجاهزية للمستقبل.
بالتزامن مع شهر التوعية بالأمن السيبراني، الذي يصادف شهر أكتوبر من كل عام، والذي يهدف إلى تعزيز الوعي المجتمعي بالجرائم الإلكترونية والسيبرانية لدى مختلف فئات المجتمع، وضمن حملة “الإمارات آمنة بوعيك الرقمي”، التي أطلقتها وزارة الداخلية، بالتعاون مع القيادة العامة لشرطة دبي، ومركز دبي للأمن الإلكتروني، أعد مركز استشراف المستقبل في شرطة دبي دراسة حديثة بعنوان “الاحتيال المستقبلي وتطور أنماط الجريمة في عصر الذكاء الاصطناعي”، وهي ضمن سلسلة من الدراسات تناولت التحولات المتوقعة في أساليب الاحتيال، وأبرز التقنيات المؤثرة في تطورها، بهدف تعزيز المعرفة المجتمعية بهذه المتغيرات واستشراف انعكاساتها المستقبلية.
جهود المركز
وأكد العميد الدكتور الخبير حمدان أحمد حمدان الغسيه، مدير مركز استشراف المستقبل بشرطة دبي، أن دراسة “التحولات المستقبلية في أنماط الاحتيال تأتي ضمن جهود المركز لرصد المتغيرات والإشارات المبكرة المرتبطة بالجرائم المستقبلية، وتحليل مسارات تطورها، بما يسهم في تعزيز الجاهزية ورفع مستوى الوعي بالتقنيات والأساليب المستجدة”.
وأوضح “أن التطور التكنولوجي يحمل فرصاً واسعة لخدمة الإنسان وتحسين جودة الحياة، وفي الوقت نفسه تتطور معه أنماط الاستخدام، الأمر الذي يتطلب مواكبة مستمرة للمتغيرات، وفهمها بطريقة أعمق لكيفية توظيف بعض التقنيات الحديثة في أساليب الاحتيال”.
وقال: “هدفنا ليس فقط التعرف إلى أساليب الاحتيال بعد ظهورها، وإنما استشراف كيفية تطورها مستقبلاً، وتحويل المعرفة بهذه المتغيرات إلى وعي مجتمعي وقدرات استباقية تسهم في تعزيز الجاهزية والحماية من خلال تعزيز الوعي الرقمي”.
منهج تحليلي
وأضاف العميد الغسيه أن الدراسة اعتمدت منهجاً تحليلياً قائماً على مراجعة عدد من الدراسات والتقارير الدولية الحديثة الصادرة عن مؤسسات أمنية وبحثية متخصصة، وتحليلها ومقارنة نتائجها، ومن أبرز هذه التقارير: تقرير منظمة الإنتربول “التقييم العالمي لتهديدات الاحتيال المالي 2026″، وتقرير “الحالة العالمية للاحتيال 2025” الصادر عن التحالف العالمي لمكافحة الاحتيال (GASA)، وتقرير “آفاق الأمن السيبراني العالمي 2026” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.
وخلصت الدراسة من خلال هذا التحليل إلى أن الاحتيال لم يعد مرتبطا بالأساليب التقليدية المعروفة، وأصبح أكثر ارتباطاً بالتقنيات الرقمية الحديثة مع ظهور أساليب تستفيد من الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتزييف العميق، واستنساخ الأصوات والصور، إلى جانب تطور أساليب الهندسة الاجتماعية والتصيد الإلكتروني.
أخطر التهديدات
وبين تحليل الدراسة لتقرير الإنتربول أن المنظمة صنفت الاحتيال المالي ضمن أخطر خمسة تهديدات إجرامية في العالم، وقيمت مستوى خطره عالمياً بأنه “مرتفع”، وتوقعت أن يتصاعد حجم هذه الجرائم بشكل كبير خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المُقبلة.
كما حدد التقرير أبرز صور للاحتيال المالي، وهي: اختراق البريد الإلكتروني للأعمال، واحتيال الدفع المسبق، وانتحال الشخصية، والاحتيال الاستثماري، واحتيال الهوية، والاحتيال العاطفي.
442 مليار دولار
وفيما يتعلق بحجم الظاهرة، رصدت الدراسة تقديرات التحالف العالمي لمكافحة الاحتيال (GASA)، التي استند إليها الإنتربول، إذ بلغت خسائر الاحتيال حول العالم في عام 2025 نحو 442 مليار دولار. وأظهر استطلاع التحالف، الذي شمل 46 ألف شخص في 42 دولة، أن 70% من البالغين واجهوا محاولات احتيال خلال عام واحد، وأن 57% منهم تعرضوا للاحتيال فعلاً، وأن 23% خسروا أموالاً.
كما بين الاستطلاع أن ثلثي عمليات الاحتيال الناجحة تكتمل خلال يوم واحد من أول تواصل مع الضحية، وأن 47% منها تتم خلال دقائق. وتتوافق هذه النتائج مع ما توصل إليه المنتدى الاقتصادي العالمي، إذ أفاد 73% من المشاركين في استطلاعه بأنهم أو أشخاصاً من محيطهم تأثروا بالاحتيال الرقمي خلال عام 2025.
ويرجح التحالف أن يكون الحجم الحقيقي للخسائر أكبر من ذلك، لأن 27% من الضحايا لا يبلغون عن تعرضهم للاحتيال. وتؤكد التقارير أن أضرار الاحتيال لا تقتصر على الخسارة المالية، بل تمتد إلى آثار نفسية واجتماعية، كالضغط النفسي وفقدان الثقة والتوتر الأسري.
وتوصلت الدراسة، من خلال تحليلها لهذه التقارير، إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي، رغم استخداماتها الإيجابية في تحسين جودة الحياة، أصبحت تستغل من قبل العصابات والمجرمين. فقد بات الذكاء الاصطناعي التوليدي يكتب رسائل تصيد خالية من الأخطاء اللغوية والإملائية التي كانت تكشف هذه الرسائل سابقا، ويخصص كل رسالة للشخص المستهدف. كما أصبح بالإمكان استنساخ صوت أي شخص من عينة قصيرة جدا، إذ وجدت دراسة لشركة McAfee أن ثلاث ثوان من الصوت تكفي لإنتاج نسخة تطابق الصوت الأصلي بنسبة 85% على الأقل. ويستخدم المحتالون هذه الأصوات المستنسخة لانتحال شخصية المديرين أو أفراد الأسرة في مكالمات يطلبون فيها تحويلات مالية عاجلة. وقد ظهرت كذلك أنظمة “الذكاء الاصطناعي الوكيل” القادرة على تخطيط حملات احتيال كاملة وتنفيذها بشكل مستقل.
الأنماط الحديثة
ومن أبرز الأنماط الحديثة التي تناولتها الدراسة التصيد الاحتيالي، وهو جريمة تجمع بين الهندسة الاجتماعية والحيل التقنية لسرقة بيانات الهوية الشخصية وبيانات اعتماد الحسابات المالية. وتعتمد الهندسة الاجتماعية على خداع الضحايا وإيهامهم بأنهم يتعاملون مع جهة موثوقة ومشروعة، من خلال رسائل وعناوين بريد إلكتروني مضللة، ومواقع إلكترونية وهمية، وأسماء نطاقات مخادعة. والهدف من ذلك استدراجهم للكشف عن بياناتهم المالية، مثل أسماء المستخدمين وكلمات المرور. أما الحيل التقنية، فتعتمد على زرع برمجيات خبيثة في أجهزة الضحايا لسرقة بيانات الاعتماد مباشرة، أو اعتراضها، أو إعادة توجيه المستخدمين إلى مواقع مزيفة. واصبحت مواقع الألعاب الإلكترونية هدفاً أيضاً للتصيد الاحتيالي حيث يغري المحتالون اللاعبين بعروض ترويجية وهمية تعدهم بمكافآت أو عملات داخل اللعبة، حتى ينقروا على روابط ضارة ويكشفوا بيانات الدخول أو تفاصيلهم المالية. وتتعرض منصات الترفيه للخطر نفسه، إذ ينشئ المهاجمون مواقع مزيفة ويرسلون رسائل بريد إلكتروني تبدو صادرة عنها لسرقة بيانات الدفع والدخول.
توصيات
وأكد العميد الغسيه أن الدراسة خلصت إلى مجموعة من التوصيات أهمها أن مواجهة الاحتيال تبدأ من الوعي الاستباقي عبر فهم الأساليب الجديدة للمحتالين والتحقق من مصدر أي رسالة، وتفعيل التحقق الثنائي للحسابات، وعدم مشاركة بيانات الدخول أو الدفع عبر روابط غير موثوقة، والإبلاغ الفوري عن أي محاولة مشبوهة، كذلك أكد على أهمية تعزيز الشراكات والتعاون الدولي عابر الحدود لتعقب الشبكات الإجرامية، وتعزيز قدرات التحقق الرقمي والحماية الأمنية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المتطورة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى